مع إغلاق ملف “قسد” ضمن ترتيبات سياسية–إدارية جديدة، دخلت المرحلة السورية طوراً مختلفاً من إعادة الضبط المؤسسي. لم يعد النقاش يدور حول تعددية مراكز القوة بقدر ما يتجه نحو إعادة تجميعها ضمن بنية دولة واحدة. هذا التحول لا يعني بأي حال من الأحوال نهاية التعقيد، لكنه يشير إلى انتقال من مرحلة إدارة التعدد “القسري” إلى مرحلة تنظيمه قانونياً وإدارياً.

يمكن القول إن موقع السويداء يتشكل ضمن سياق عام يتجه نحو إعادة تثبيت وحدة الدولة بعد مرحلة طويلة من الترتيبات المتعددة. معالجة ملف “قسد” – بصرف النظر عن تقييم تفاصيلها – أعادت ترسيخ فكرة أن أي صيغة إدارية أو أمنية مستقرة يجب أن تكون ضمن إطار وطني واحد. هذا التحول لا يعني عودة إلى مركزية تقليدية بالضرورة، لكنه يعني تقليص مساحة الصيغ غير المؤطرة قانونياً.

المشهد المركّب في السويداء

بعد اشتباكات تموز الماضي، أُعلنت في السويداء “اللجنة القانونية العليا” التي بدأت تتولى إدارة شؤون المحافظة على الأقل على المستوى الإداري ولا تزال تعمل خارج إطار الدولة المركزية. الهيئة كانت قد تأسست في 25 تموز 2025، وتشمل عناصر مدنية وقانونية، وتتولى بعض أعمال الحكم المحلي والخدمات الأساسية في المحافظة رغم عدم الاعتراف الرسمي بها.

في أعقاب اشتباكات تموز، جرت محادثات في باريس بين ممثلين عن سوريا وإسرائيل بوساطة أميركية، بهدف احتواء النزاع وتأمين تهدئة في الجنوب السوري، مع تأكيد دمشق على سيادة واستقلال سوريا وعدم قابلية أي تدخل خارجي.

وقد ظهرت أيضاً مبادرات مشتركة بين سوريا والأردن والولايات المتحدة لترميم الأمن في السويداء، تتضمن مقترحات لاستعادة السيطرة وتأمين عودة النازحين ودخول القوافل الإنسانية، ضمن إطار وحدة واستقرار سوريا. هذه الجهود تظهر أن الملف ليس محصوراً في الداخل السوري فحسب، بل يتداخل مع مواقف إقليمية ودولية تسعى لتثبيت الاستقرار الأمني والخدمي على الأرض بصورة متوازنة.

وقالت الكاتبة والصحفية سعاد خبية: إن موقع السويداء اليوم ينبغي أن يُقرأ من زاويتين متلازمتين، الأولى تتعلق باستعادة الدولة لوحدتها المؤسسية على أساس المواطنة المتساوية، والثانية بإقرار لامركزية إدارية موسّعة تضمن إدارة محلية فاعلة وتمثيلاً حقيقياً لجميع السوريين بمختلف انتماءاتهم.

وأضافت أن نقطة التقاطع الممكنة بين هذين المسارين تكمن في قيام دولة قانون تعترف بمسؤوليتها عمّا جرى، وتفتح باب المحاسبة العلنية لكل من أجرم بحق أهالي السويداء، وتلتزم بعدالة انتقالية حقيقية تعيد الثقة المفقودة بين جميع الأطراف. وتابعت خبية أن أحداً لن يخسر إذا كان السقف هو دولة المواطنة، وتجريم خطاب الكراهية، ووقف التحريض، والانطلاق بحوار وطني تشاركي يرسّخ الشراكة لا منطق الغلبة.

كذلك قالت خبية إن السقف الواقعي سابقاً – والذي بات اليوم أكثر صعوبة – يتمثل في الوحدة والاعتراف بالجميع واللامركزية، لا في الانفصال ولا في المركزية الصلبة. وأضافت أن المطلوب، رغم إدراكها لصعوبة تحقيقه، هو صيغة وطنية تدمج السويداء ضمن دولة واحدة مع صلاحيات محلية واضحة وموسّعة تضمن الاستقرار والإدارة الرشيدة.

وأشارت إلى أن إيجاد حل ما يزال صعباً نظراً للأدوار الخارجية، سواء الإسرائيلية أو الأميركية، إضافة إلى أدوار فاعلين إقليميين يكرّسون حالة الشقاق، فضلاً عن غياب إرادة داخلية سلطوية لإيجاد حلول وطنية حقيقية. واعتبرت أن هذا الغياب يتجلى في عدم اعتماد مبدأ المواطنة كمرتكز ثابت للحكم، وعدم إقرار قانون أحزاب عادل، وعدم تهيئة الوضع فعلياً لإجراء انتخابات عامة حقيقية، وعدم إفساح المجال للكفاءات، فضلاً عن غياب الجدية في إطلاق حوار وطني يعالج آثار العام الماضي ويحمّل الدولة مسؤولية المعالجة. كما لفتت إلى وجود غياب لإرادة داخلية لدى بعض الفعاليات النافذة في السويداء للمساهمة في إيجاد حل ضمن إطار الدولة السورية الواحدة.

وختمت خبية بالتأكيد على أن الحفاظ على الخصوصية الاجتماعية لا يتعارض مع الاندماج الوطني إذا كان الإطار المرجعي هو حقوق الإنسان، وسيادة القانون، ومحاسبة المجرمين دون استثناء.

اختبار الشرعية في الجنوب

يمكن قراءة ما بعد طيّ ملف “قسد” من منظور ماكس فيبر الذي عرّف الدولة بوصفها الكيان الذي يحتكر “العنف المشروع” داخل إقليم محدد. غير أن التجربة السورية أظهرت أن الاحتكار لا يقتصر على الأداة الأمنية، بقدر ما يمتد إلى احتكار تعريف الشرعية السياسية ذاتها. خلال السنوات الماضية، تعددت مراكز إنتاج الشرعية الجزئية، لا مراكز القوة فحسب. وعليه، فإن إعادة الضبط المؤسسي تعني عملياً إعادة توحيد مرجعية الشرعية ضمن إطار الدولة، وهو ما يجعل السويداء اختباراً لإعادة إنتاج الشرعية، وليس مجرد استعادة سيطرة إدارية.

كذلك يمكن فهم تجربة السويداء في السنوات الماضية ضمن مفهوم “حالة الاستثناء” عند جورجيو أغامبن، حيث تبقى القاعدة القانونية قائمة شكلياً لكنها تُعلَّق عملياً لصالح ترتيبات ظرفية. الجغرافيات السورية التي عاشت في هذه المنطقة الرمادية لم تكن خارج الدولة بالكامل، ولا مندمجة فيها كلياً، لذا فإن التحول الراهن يمثل محاولة للانتقال من منطق الاستثناء إلى منطق القاعدة القانونية المستقرة. غير أن هذا الانتقال، وفق أدبيات التحول المؤسسي، لا يمكن أن يتم إلا عبر إعادة تفاوض حول طبيعة الاندماج وشروطه.

تجربة قوات سوريا الديمقراطية (قسد) في شمال شرقي البلاد، والتي كانت عرّفت نفسها كنموذج حكم محلي واسع قبل أن تخضع لتسويات سياسية جديدة مع المركز السوري مؤخراً، يمكن أن تؤثر بشكل غير مباشر في الخطاب السياسي داخل السويداء، بما في ذلك مناقشات حول الإدارة المحلية وآليات تنظيم العلاقة بين المركز والمناطق المختلفة.

وقال الباحث الاجتماعي السوري محمد الجسيم، في حديث لموقع تلفزيون سوريا، إن قراءة ملف السويداء تقتضي التمييز بين مستويين متداخلين لا يمكن فصل أحدهما عن الآخر. وأضاف أن المستوى الأول هو الدولي والإقليمي، حيث يوجد – بحسب تعبيره – قرار وتوافق واضحان على ضرورة أن تنضوي جميع المجموعات الفاعلة تحت إطار الدولة السورية، لتكون الدولة الساحة الوحيدة للنقاش العام والتفاوض.

وتابع الجسيم أن هذا التوجه يقود بالضرورة إلى ضبط حالة التشتت الحاصلة حالياً على مستوى الفاعلين المحليين، وهو أمر قد يبدو إيجابياً من حيث المبدأ، إلا أنه يتطلب من جميع الفاعلين المحليين، بمن فيهم السلطة، تحمّل مسؤوليتهم الوطنية وتقديم تنازلات متبادلة من أجل خلق نموذج سوري قائم على بناء عقد اجتماعي توافقي.

وفي ما يتعلق بالمستوى الثاني، أوضح الجسيم “أننا أمام واقع محلي معقّد خلّفته الانتهاكات الواسعة التي شهدتها السويداء من قبل السلطة والمجموعات الرديفة لها، وما رافق ذلك من تجييش إعلامي وخطاب كراهية ضد الدروز كأقلية دينية عبر وسائل الإعلام الرسمية”. وأردف أن هذا الواقع أوجد أزمة ثقة عميقة تجاه “الدولة الجديدة” من جهة، وفي المقابل لا يمكن إغفال أزمة ثقة تجاه “الشيخ الهجري” الذي كان له دور أساسي في تصاعد العنف من جهة أخرى.

واعتبر الجسيم أن أزمة الثقة هذه تشكل العائق الرئيسي أمام أي محاولة لرأب الصدع في المرحلة الحالية. وأضاف أن الخروج من هذا المأزق يتطلب، أولاً، وجود ضامن محايد، إذ إن وجود طرف ثالث ضامن ومقبول من الجانبين يشكل نقطة الانطلاق الأساسية لفتح قنوات تواصل سياسية جدية. وثانياً، شدد على ضرورة التعامل الجدي والشفاف مع ملف الانتهاكات التي حصلت في السويداء، بوصف ذلك بادرة حسن نية أساسية لإعادة بناء الثقة. وثالثاً، تابع الجسيم أن المسار ينبغي أن ينتهي إلى الاتفاق على صيغة إدارة محلية شاملة، عبر التفاوض على نموذج لإدارة المحافظة يضمن تمثيلاً عادلاً وشاملاً لكامل سكان المنطقة ومكوناتها.

سقف الممكن السياسي

إن السقف الواقعي للخيارات المتاحة أمام السويداء تحكمه ثلاثة محددات: أولاً، الاتجاه الدولي الذي يميل إلى دعم استقرار الدولة السورية كوحدة قانونية، من دون تبني مشاريع حكم ذاتي جديدة. ثانياً، رغبة إقليمية عامة – وخصوصاً في محيط الجنوب – في تثبيت الاستقرار الحدودي ومنع انزلاق أمني جديد. ثالثاً، طبيعة البنية الاجتماعية في السويداء التي تميل إلى تجنب الصدامات الواسعة.

ضمن هذا السقف، لا يبدو أن سيناريوهات الانفصال أو الإدارة المستقلة خارج الدولة مطروحة بجدية. قد يكون الخيار الأكثر قابلية للتحقق هو تطوير نموذج لامركزية إدارية منضبط، يمنح المجالس المحلية صلاحيات فعلية في التخطيط والخدمات والتنمية، مع بقاء السياسات السيادية بيد المركز.

المحددات التي تحكم سقف الخيارات أمام السويداء يمكن فهمها عبر الواقعية البنيوية عند كينيث والتز، حيث تتحرك الدول ضمن بنية نظام دولي يفرض قيوداً موضوعية على سلوكها. البيئة الدولية الراهنة تميل إلى تثبيت الكيانات القائمة لا إلى تفكيكها. كما أن الإقليم ينظر إلى الجنوب السوري من زاوية الاستقرار الحدودي والأمني، لا سيما وأن هذا الإطار البنيوي يحدّد المجال الممكن للحلول المحلية ويجعلها محكومة بسقف النظام الدولي والإقليمي.

تحرك السويداء ضمن هذا الإطار يتطلب خطاباً سياسياً عقلانياً يركز على المصالح اليومية للسكان؛ متمثلة بالخدمات، الاقتصاد المحلي، فرص العمل، وإعادة الثقة بالمؤسسات. الخصوصية الاجتماعية يمكن حمايتها عبر نصوص قانونية وآليات تمثيل واضحة، وليس عبر رهانات سياسية مفتوحة.

لذا فإن المساحة المتاحة اليوم ليست مساحة مغامرات سياسية، وإنما مساحة إعادة تنظيم عقلانية للعلاقة بين المركز والمحافظة، بما يضمن الاستقرار ويقلل من كلفة التوترات المتكررة.

النقاش حول اللامركزية في الحالة السورية يمكن تأطيره ضمن التمييز الذي طرحه دينيس روندينيلي بين اللامركزية الإدارية والتفويض وبين اللامركزية السياسية الحقيقية. كما تميز نظرية والاس أوتس في المالية العامة بين توزيع الوظائف وتقاسم السيادة. في السياق السوري، ما يبدو واقعياً هو توسيع التفويض الإداري وليس إعادة تعريف الكيان السيادي؛ أي أن المسألة تتعلق بإعادة توزيع الوظائف داخل الدولة، وليس بإعادة صياغة الدولة ذاتها.

التحول المطلوب في السويداء لا يقتصر على البنية الإدارية، إنما يشمل طبيعة المجال العام. وفق يورغن هابرماس، فإن المجال العام هو الفضاء الذي تُصاغ فيه الإرادة السياسية عبر النقاش العقلاني. حين ينتقل الخطاب من منطق الهوية والتهديد الوجودي إلى منطق الخدمات والاقتصاد المحلي، فإن السياسة تنتقل من صراع رمزي إلى تفاوض إجرائي، وهذا التحول شرط لإعادة بناء الثقة بين المجتمع والدولة.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *