تشهد الساحة السنية في لبنان تحولات متسارعة تعكس حجم التبدلات الإقليمية وانعكاساتها المباشرة على الداخل اللبناني. فالعلاقة التاريخية التي ربطت مرجعية أهل السنة في لبنان بالمملكة العربية السعودية لطالما شكّلت ركيزة أساسية في توازنات الطائفة وموقعها في المعادلة الوطنية. غير أن التطورات الأخيرة، ولا سيما إعلان الرئيس السابق سعد الحريري من بيروت عودة “التيار الأزرق” إلى العمل السياسي، فتحت الباب أمام مواجهة غير معلنة بين الرياض والحريري.

المناسبة التي كشفت عمق التباين كانت الإفطار السنوي الذي يقيمه مفتي الجمهورية عبد اللطيف دريان في دار الفتوى. فقد سعت المملكة إلى ثني الحريري عن المشاركة في الإفطار، في محاولة لتكريس واقع سياسي جديد داخل الطائفة السنية يقوم على تحجيم دوره وإعادة رسم خارطة التمثيل. إلا أن الحريري حضر، في خطوة اعتُبرت تحدياً مباشراً للإرادة السعودية.

قبيل موعد الإفطار، أرسلت السفارة السعودية وفداً أمنياً إلى دار الفتوى للتأكد من ترتيبات الجلوس. كما تعمّد السفير السعودي الوصول متأخراً، متفادياً إلقاء التحية على معظم الحاضرين. في المقابل، جلس الحريري في زاوية بعيدة نسبياً، بما يضمن عدم التقائهما حتى بالنظر. هذا المشهد عكس برودة سياسية واضحة ورسائل مدروسة بعناية.

إعلان الحريري استئناف العمل السياسي لم يكن خطوة عفوية، بل جاء بعد مرحلة من التعليق الطوعي لنشاطه السياسي. تفيد أوساط متابعة بأن الخطوة حظيت بدعم من أبو ظبي، ما وضعها في إطار تنافس إقليمي أوسع بين السعودية والإمارات على النفوذ في أكثر من ساحة عربية.

بالنسبة إلى الرياض، لم تعد مسألة الحريري شأناً شخصياً، بل باتت جزءاً من إعادة صياغة مقاربتها للملف اللبناني. المملكة تعمل منذ سنوات على تنويع قنوات تواصلها داخل الطائفة، وعدم حصرها بزعامة واحدة. وفي هذا السياق، برز انفتاح سعودي ملحوظ على خصوم الحريري التقليديين، وفي مقدمتهم جمعية المشاريع الخيرية الإسلامية المعروفة بـ”الأحباش”.

جمعية المشاريع دخلت في الأشهر الأخيرة على خط التوازنات الجديدة. فقد التقى زعيم الجمعية بالسفير السعودي في بيروت، في لقاء حمل دلالات سياسية واضحة. وتشير معلومات متداولة إلى أن الجمعية عرضت رؤية تقوم على إعادة تموضعها خصوصا بعد سقوط بشار الاسد والتي كانت الجمعية تعمل كجهاز مخابرات له، مقابل دعم سعودي لترسيخ حضورها النيابي.

هذا التحول يعكس براغماتية سياسية متبادلة. فالسعودية تسعى إلى خلق توازن داخل الطائفة السنية يحدّ من احتكار أي طرف للتمثيل، فيما تجد الجمعية في الانفتاح السعودي فرصة لتعزيز موقعها. غير أن هذا المسار يطرح تساؤلات حول الخلفيات الفكرية والتباينات العقائدية، ومدى قابلية تجاوزها لصالح اعتبارات سياسية ظرفية.

في سياق الرد غير المباشر على إعلان الحريري العودة إلى العمل السياسي، نظّم “الأحباش” احتفالاً دينياً في مسجد محمد الأمين. الحدث لم يكن عادياً من حيث التوقيت والمكان، إذ حمل أبعاداً رمزية تتجاوز الطابع الديني إلى السياسي.

المسجد الذي ارتبط باسم رفيق الحريري وتحول إلى أحد معالم العاصمة، بدا وكأنه ساحة لإيصال رسالة مفادها أن المعادلة السنية لم تعد حكراً على إرث “المستقبل”. اختيار المكان عكس رغبة في كسر الاحتكار الرمزي، وإعادة توزيع النفوذ داخل الفضاء السني البيروتي.

تتقاطع هذه التطورات مع احتدام التنافس السعودي–الإماراتي في أكثر من ساحة عربية. وها هو لبنان ينضم عملياً إلى خريطة هذا الاشتباك غير المباشر. فعودة الحريري بدعم إماراتي تُقرأ في الرياض كخطوة تحدٍّ، فيما يُنظر إلى الانفتاح السعودي على خصومه كرسالة مضادة.

هذا الصراع لا يُدار بالضرورة عبر مواجهات علنية، بل عبر أدوات سياسية ودينية وإعلامية، تعكس طبيعة التنافس على النفوذ في مرحلة إعادة رسم موازين القوى في المنطقة. ولبنان، بحكم تركيبته الطائفية الهشة، يبقى ساحة قابلة للاهتزاز مع كل تحول إقليمي.

في خضم هذا المشهد، تتصاعد تساؤلات داخل البيت السني: كيف سيتعامل رجال الدين والسياسة مع هذا الشرخ المتسع؟ وهل يمكن احتواء التباينات ضمن أطر مؤسساتية تحول دون انزلاقها إلى انقسام أعمق؟ وما هو موقع دار الفتوى في ضبط الإيقاع ومنع انتقال الخلاف السياسي إلى انقسام ديني؟

كما يبرز سؤال حول مدى إدراك الأطراف الإقليمية لحساسية التركيبة اللبنانية، وخطورة تحويل الساحة السنية إلى ميدان تجاذب. فالطائفة التي شكّلت تاريخياً أحد أعمدة الاستقرار السياسي في لبنان تجد نفسها اليوم أمام اختبار صعب بين الولاءات الإقليمية ومتطلبات التماسك الداخلي.

المشهد الراهن يعكس مرحلة انتقالية لم تتبلور معالمها النهائية بعد. فعودة الحريري قد تعيد خلط الأوراق داخل الطائفة، لكن نجاحها يبقى رهناً بقدرته على استعادة شبكة الدعم العربية والدولية. في المقابل، يبدو أن السعودية ماضية في سياسة تنويع الحلفاء وعدم الرهان على شخصية واحدة.

في المحصلة، يقف أهل السنة في لبنان أمام مفترق طرق دقيق. فإما أن تتحول التباينات إلى عنصر إثراء وتعدد ضمن إطار وحدة المرجعية الوطنية، أو أن تتفاقم الانقسامات بفعل التدخلات الإقليمية. وبين هذا وذاك، يبقى لبنان ساحة تتقاطع فيها المصالح الكبرى، فيما يدفع الداخل ثمن كل اشتباك خارجي، سياسياً ومؤسساتياً، وربما أكثر.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *