ليست الفتنة بين السنة والشيعة مجرد إرث ثقيل من الماضي، بل منظومة جرى إحياؤها مراراً كلما اقتضت الحاجة السياسية. فمنذ أن تحوّل الخلاف الأول على السلطة إلى انقسام مذهبي ممتد، بات هذا الانقسام مادة جاهزة لإعادة التوظيف، تُستدعى لا حين يحتدم النقاش الفكري، بل حين تشتد الحاجة إلى تعبئة الشارع وإعادة رسم خطوط الصراع.

في هذا السياق، لا يمكن قراءة ما قدّمه خضر عباس في لطمية “خطواتي عصف” بما تضمنه من عبارات استفزازية بحق رموز دينية سنية، وإهانات للسيدة عائشة والصحابة، والألفاظ التحقيرية لأهل السنة، بوصفه حدثاً معزولاً أو زلّة خطابية عابرة.

فخروج هذا النوع من الخطاب من إطاره الطقوسي إلى الفضاء العام، وفي لحظة إقليمية مشتعلة، يحوّله تلقائياً إلى فعل سياسي، حتى لو ارتدى لباس الشعائر.

وما عزّز هذا التحول هو الرد الذي جاء من عبد الله الشريف، حيث قدّم “من أهل السنة ليك يا ليفة” بنفس الإيقاع تقريباً، لكن بلغة معاكسة، لتكتمل دائرة الاستفزاز المتبادل. هنا، لم نعد أمام خلاف فكري أو حتى مذهبي، بل أمام تناظر في التصعيد؛ فكل خطاب يولّد نقيضه، وكل استفزاز يستدعي ما هو أشد منه.

المشهد، لمن يقرأه سياسياً، يتجاوز الشخصين والنصّين. ما يحدث هو إعادة إنتاج لنمط قديم: استدعاء أكثر اللحظات حساسية في التاريخ الإسلامي—الخلاف على الشرعية، السقيفة، رموز الصحابة وآل البيت—ثم ضخها في الحاضر دون أي سياق علمي أو تاريخي، بل ضمن بيئة مشحونة أصلاً بالصراعات الإقليمية.

غير أن خطورة هذا المشهد لا تكمن في تبادل الخطاب بحد ذاته، بل في التوقيت الذي انفجر فيه. فالمنطقة كانت ولا تزال تعيش واحدة من أكثر مراحلها هشاشة، بعد اغتيال علي خامنئي في سياق مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، وما تبعه من اندفاع حزب الله إلى فتح جبهة الجنوب اللبناني تحت عنوان “الثأر”. هنا، لم تعد المسألة صراعاً إقليمياً تقليدياً، بل تحوّلت إلى اختبار مفتوح لمستقبل ما يُعرف بمحور المقاومة.

في مثل هذه اللحظات، يصبح الخطاب المذهبي أداة تعبئة لا غنى عنها. فحين تتعرض المشاريع الكبرى للاهتزاز، يُعاد شدّ الجمهور إلى أقرب هوياته وأكثرها حساسية. ومن هنا، لا تبدو “اللطمية” بريئة، ولا “اللطمية المضادة” مجرد رد فعل، بل حلقتين في سلسلة واحدة تُعيد إنتاج الانقسام وتغذّيه.

وعند تتبّع المسار التاريخي، يتضح أن هذا النمط لم يكن طارئاً. ففي عهد صدام حسين، جرى توظيف البعد المذهبي ضمن صراع سياسي مع إيران، وإن بغطاء قومي. ثم جاءت الحرب السورية لتدفع بهذا التوظيف إلى العلن، حين ارتبط بقاء نظام بشار الأسد بدعم عسكري مباشر من حزب الله، ما أعاد تعريف الصراع في وعي كثيرين بوصفه مواجهة ذات بعد مذهبي واضح، بغض النظر عن تعقيداته الفعلية.

ومع سقوط الأسد وصعود الرئيس أحمد الشرع، بدا أن المنطقة تتجه نحو إعادة تشكيل توازناتها. غير أن هذا التحول السياسي لم يُلغِ البنية التي تراكمت خلال سنوات الصراع، بل تركها قائمة وقابلة للاستدعاء عند الحاجة. وهنا تحديداً، يظهر دور الخطابات التعبوية التي تعيد إحياء الانقسام كلما بدأت حدّته بالانحسار.

في قلب هذا المشهد، يبرز نهج “ولاية الفقيه” كإطار سياسي–عقائدي يربط بين الدين والسلطة بطريقة تجعل من الهوية المذهبية أداة مركزية في الصراع. الإشكالية لا تكمن في الفكرة بحد ذاتها بقدر ما تكمن في كيفية توظيفها عملياً، إذ يظهر في أكثر من محطة أن هذا النهج يميل إلى استخدام الخطاب المذهبي كوسيلة تعبئة عند الأزمات، حتى لو أدى ذلك إلى توسيع الشرخ داخل المجتمعات العربية والإسلامية.

وهنا تتكشّف المفارقة الكبرى: في الوقت الذي يُرفع فيه شعار مواجهة إسرائيل، تُنتج الممارسات على الأرض واقعاً من الانقسام الداخلي العميق، وهو بالضبط ما تحتاجه أي قوة خارجية لتخفيف الضغط عنها. فحين ينشغل الداخل بصراعاته، تتراجع قدرته على تشكيل موقف موحّد، ويتحوّل الصراع من مواجهة واضحة إلى شبكة متداخلة من النزاعات.

لا يعني ذلك أن كل من يشارك في هذا الخطاب يدرك نتائجه، بل على العكس، كثيرون ينخرطون فيه بدافع الدفاع عن معتقداتهم. غير أن السياسة لا تُقاس بالنيات، بل بالنتائج. والنتيجة الواضحة أن كل جولة من هذا التصعيد تترك المجتمعات أكثر انقساماً وأقل قدرة على التماسك.

وبين لطمية خضر عباس ورد عبد الله الشريف، لا نكون أمام حادثة إعلامية عابرة، بل أمام نموذج مكثّف لكيفية إعادة إنتاج الفتنة: خطاب يستدعي التاريخ، ورد يعمّق الاستدعاء، وجمهور يُدفع تدريجياً إلى مواقع أكثر حدّة.

قد تبدو هذه المعارك صغيرة في شكلها، لكنها كبيرة في أثرها. فالأخطر من الصواريخ التي تُطلق على الحدود، هو ذلك الشرخ الذي يتسع داخل المجتمعات—شرخ لا يُرى فوراً، لكنه يحدد شكل الصراعات القادمة.

وفي زمن تتكاثر فيه الجبهات، قد لا تكون أكثرها وضوحاً هي الأشد تأثيراً، بل تلك التي تُفتح في الوعي، حيث تتحول الفتنة من حدث إلى بنية، ومن أداة إلى قدر يُعاد إنتاجه كلما ظنّ الناس أنهم تجاوزوه.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *