أميرة خواسك
فقدت الساحة الفنية منذ أيام قليلة المطرب الكبير هاني شاكر، الذي قدّم للموسيقى العربية العديد من الأعمال الغنائية المتميزة، وظلّ منذ ظهوره في أوائل السبعينات حتى وفاته محتفظاً بقيمته وقدره واحترامه لفنه ولجمهوره.
لم نسمع له أغنية هابطة أو كلمات متدنية، ظل محافظاً على مساحة خاصة به، ورغم ما شهدته الساحة الغنائية على مدى نصف قرن من تغيُّر وصعود وهبوط ظل هو متمسكاً بخطه الثابت في الأداء الفني الذي يمثل ما تبقى من قيمة ومتعة ورسالة، وظل بالتالي محتفظاً باحترامه.
لم يختلف سلوكه عن فنه، فهو لم يشارك في صراعات أو دسائس ومعارك جانبية، ولم نرَ منه إساءة لأي فنان سواء على قيد الحياة أو من الراحلين، حتى عندما حاول البعض أن يكون هو السلاح الذي يوجّه للفنان الكبير عبدالحليم حافظ، لم يستغل هذه الفرصة، وظل محافظاً على احترامه وتقديره للفنان الراحل، بل حرص كثيراً على إعادة تقديم أغانيه من خلال حفلاته في دار الأوبرا المصرية وغيرها من الحفلات، وظل هاني شاكر صديقاً للجميع ومقدَّراً من الجميع.
لهذا لم تكن تلك الكلمات الحاقدة التي أطلقها الإخواني الهارب وجدي العربي من منفاه الاختياري، أمراً مدهشاً أو غريباً، لأنه يعبر عن الحالة المرضية والنفسية التي ابتلي بها أمثاله من جماعة الإخوان الإرهابية، والذين لا يتركون فرصة لوفاة أي من رموز الفن أو الثقافة أو السياسة إلا وبثوا فيها حقدهم على هذا الوطن من خلال التشفي والشماتة في الموت، وهو سلوك لا يمت للإسلام ولا للإنسانية بصلة، بل هو يدل على فساد في الأخلاق والقيم والمفاهيم.
لقد ادّعى وجدي العربي أن هاني شاكر طالب بقتل الإخوان بدون محاكمات، وأنه حرّض على إراقة الدماء. والحقيقة أن وجدي العربي يكذب كعادة أمثاله من الجماعة المحظورة، فما صدر عن هاني شاكر هو نفس ما صدر عن كل مصري وطني، فقد قال إنه سيشارك الشعب المصري في 30 يونيو.
ودعا الرئيس محمد مرسي للإنصات لمطالب الشعب، وعبّر عن رفضه العنف وسفك الدماء، وبعد انتهاء تلك الفترة الحالكة وصفها هاني بأنها «احتلال إخواني»، وهو محق في ذلك، وقد اعتبر ثورة 30 يونيو (ثورة شعب)، وكانت الوسيلة لإنقاذ مصر من قوى الظلام، هذا ما قاله هاني شاكر، وقد بحثت كثيراً ولم أجد غير هذا، رغم علمي المسبق أن فناناً ذا خلق مثله لن يطالب بسفك الدماء، كما ادعى صديق الطفولة وزميله في الفن ورفيق الصبا (كما ادعى).
لكنها أخلاقيات الإخوان التي عشناها ورأيناها وثُرنا ضدها من أجل إنقاذ مستقبل هذا الوطن، والتي رفضناها حتى لا تشوه هوية هذا البلد، وتقضي على ثقافته وفنه وقيمه، وتأتي بقيم جديدة رديئة، تستحل كل شيء وتدمر كل شيء ولا تُبقي على شيء، وهم في كل مرة يكذبون ويشمتون ويدّعون ويفترون يؤكدون لنا أننا كنا على حق حين لفظناهم وأبعدناهم عن حياتنا، وهم أيضاً يساعدوننا على أن نقف في وجه أي أحد يدعو إلى مصالحة أو فتح صفحة جديدة، لأنهم ثابتون، لا ولن يتغيروا، ونحن أيضاً لن نغير موقفنا منهم.
رحم الله الفنان الكبير ذا الخلق الرفيع وجعل إساءتهم وشماتتهم في ميزان حسناته.








