استمرّت المفاوضات محورَ متابعةٍ بين بعبدا وعين التّينة، في ظلّ تكثيف الاتّصالات السّياسيّة قبل الجولة الخامسة المرتقبة في واشنطن. وركّز اللقاء الذي جمع المعاون السّياسيّ لرئيس مجلس النوّاب نبيه برّي، النائب علي حسن خليل، بمستشار رئيس الجمهوريّة أندريه رحّال، على بحث تفاصيل مرتبطة بالبنود الواردة في “إعلان النّوايا” الصادر عن مفاوضات واشنطن المباشرة مع إسرائيل، إضافةً إلى البحث الذي تجريه عين التّينة مع السفير الأميركيّ، بهدف بلورة اتّفاق حول وقف إطلاق النّار، وهو ما يصرّ عليه برّي قبل الخوض في أيّ ملفّ آخر.
وقالت مصادر رسميّة إنّ العلاقة بين بعبدا وعين التّينة “جيّدة جدًّا”، وإنّ هناك تنسيقًا مستمرًّا حول المفاوضات عشيّة الجلسة الخامسة في واشنطن. كما علمت “المدن” أنّ رحّال يواصل التشاور مع مسؤولين في “حزب الله” لتنسيق المواقف وإعادة تفعيل قنوات التواصل مع بعبدا.
اجتماع في بعبدا لتقييم جولتَي واشنطن
وترأّس رئيس الجمهوريّة العماد جوزاف عون، بعد ظهر اليوم، اجتماعًا في قصر بعبدا، حضره قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ورئيس الوفد المفاوض السفير سيمون كرم، والضبّاط أعضاء الفريق العسكريّ المفاوض.
وخلال الاجتماع، جرى تقييم مداولات الاجتماعين التفاوضيّين اللذين عُقدا في واشنطن في 29 أيّار الماضي و2 و3 حزيران الجاري، مع الجانبَين الأميركيّ والإسرائيليّ في كلٍّ من البنتاغون ووزارة الخارجيّة الأميركيّة.
وزوّد الرئيس عون السفير كرم ووفد الضبّاط بالتوجيهات اللازمة المتعلّقة بالاجتماع المرتقب عقده في العاصمة الأميركيّة خلال الأسبوع الذي يبدأ في 22 حزيران الجاري.
وعلى مستوى جلسة المفاوضات المقرّرة في واشنطن في 22 و23 و24 من الشهر الجاري، علمت “المدن” أنّ التحضيرات لهذه الجلسات، على المستويين العسكريّ والسّياسيّ، مستمرّة، على أن يستكمل رئيس الجمهوريّة جوزاف عون التشاور مع رئيس الوفد اللبنانيّ سيمون كرم للاتّفاق على برنامج التفاوض ووضعه الخاصّ بالجولة الخامسة.
عون لرويترز: لا لإملاءات إيران ولا لحروب الآخرين
في موازاة التحضيرات الدبلوماسيّة، شدّد الرئيس عون، في تصريحات لوكالة “رويترز”، على أنّ مستقبل لبنان “في أيدي اللبنانيّين، وليس بيد إيران أو إسرائيل”، مؤكّدًا أنّ لبنان “لا يقبل أن تملي عليه إيران ما يجب فعله”، لأنّه “دولة ذات سيادة ولا يحقّ لها التحدّث باسمه”.
وقال عون إنّ لبنان لا يقبل أن يتحوّل “ساحةً لحروب الآخرين”، مشدّدًا على التمسّك بالمسار الدبلوماسيّ، باعتبار أنّه “لا حلّ عسكريًّا” للصراع. وأضاف: “لا خيار لدينا سوى التفاوض لإنهاء هذا الصراع، وكذلك الإسرائيليّون”.
وفي موقف لافت حيال “حزب الله”، قال عون إنّه “إذا اختار الحزب البقاء في حالة حرب، فإنّه سيضرّ بالمجتمع الذي يدّعي الدفاع عنه”.
لا حريّة حركة لإسرائيل
وأكّد رئيس الجمهوريّة أنّ الجانب الإسرائيليّ لا يزال يُظهر تعنّتًا، ويعمل على تضييع الوقت من دون تقديم أيّ خطّة واضحة، في حين يدخل لبنان المفاوضات بخطّة محدّدة وواضحة. وشدّد على أنّ لبنان ما زال مصمّمًا على المشاركة في جولة جديدة من المحادثات، محمّلًا إسرائيل مسؤوليّة أيّ تأجيل قد يطرأ عليها.
وأوضح عون أنّ “إعلان واشنطن” لم يمنح إسرائيل حريّة الحركة أو التصرّف، بل كرّس حقّ الطرفين في الدفاع عن النفس بموجب المادّة 51 من ميثاق الأمم المتّحدة. واعتبر أنّ عناصر القوّة التي يستند إليها لبنان في التفاوض تتمثّل في موقعه الدستوريّ، والدعم الأميركيّ للمسار التفاوضيّ، إضافةً إلى معاناة اللبنانيّين من شهداء ونازحين ودمار، مؤكّدًا أنّه لا خيار أمام لبنان سوى المفاوضات.
وكشف عون عن اتّصالات يجريها لبنان مع كلٍّ من السعوديّة وقطر للمساعدة في التوصّل إلى وقف لإطلاق النّار، مستفيدًا من علاقاتهما مع إيران. كما أوضح أنّ زيارة قائد الجيش اللبنانيّ إلى باكستان كانت مقرّرة مسبقًا، وتهدف حصرًا إلى دعم المؤسّسة العسكريّة اللبنانيّة.
وشكر عون السعوديّة على قرارها رفع الحظر، معتبرًا أنّ هذه الخطوة تعكس اهتمام المملكة بلبنان، وتؤكّد أنّه لا يزال عزيزًا على قلبها وأنّها لم تتخلَّ عنه.
وفي ما يتعلّق بالحديث عن احتمال تدخّل سوريّ، قال عون إنّ لبنان يأخذ تصريحات الرئيس الأميركيّ دونالد ترامب بعين الاعتبار، لكنّه شدّد على أنّ الرئيس السوريّ أحمد الشرع يتمتّع بحسٍّ عالٍ من المسؤوليّة والوعي، ولن ينجرّ إلى مستنقع لبنان.
الدّولة تحمي الجميع
واعتبر عون “أنّ خيارنا يبقى الدّولة، كونها تحمينا كلّنا. وهذا أمر لست بصدد تكراره لمجرّد التكرار، بل للتأكيد عليه”. وأضاف: “الدّولة هي التي تحمي الطوائف اللبنانيّة وليس العكس. إضافةً إلى ذلك، علينا أن نقتنع بأنّنا دولة ذات سيادة، والمراكز التي يصل إليها أيّ مسؤول ليست ترفًا، بل مسؤوليّة. فإمّا أن يكون على قدر مسؤوليّاته وحجم قراراته، أو فليبقَ في منزله”.
وتابع الرئيس عون: “إنّ وضع البلد لم يعد يتحمّل. والقرار الذي اتّخذناه هو عن قناعة ولمصلحة لبنان. أليس كثيرون شكّكوا فيّ شخصيًّا خلال السنة الماضية متسائلين عمّا أقوم به؟ نحن أعطينا فرصة، ولكن عندما وصلنا إلى ما وصلنا إليه كان قرارنا الذهاب إلى المفاوضات. ألم نرَ ويلات الحروب وإلى ماذا تؤدّي؟ فكيف إذا كانت الحروب تضاعف خسائرنا؟ لذلك نحن ضدّها، وقرارنا حرّ، وأكرّر أنّه لمصلحة لبنان”.
وجاء كلام الرئيس عون خلال استقباله، قبل ظهر اليوم في قصر بعبدا، وفد مؤسّسة “ثقافة وحرّيّة”، حيث أكّد “أنّ لدينا فرصًا كثيرة، طالما هناك مثقّفون ومفكّرون ومبدعون في لبنان، من مختلف المستويات، همّهم مصلحة لبنان. ونحن نتّجه معًا إلى هدف واضح، وهو إنهاء حالة الحروب في لبنان. وعلى الرغم من الضغوط للانسحاب من المفاوضات، لن ننسحب منها، وسنكمل الطريق حتّى بلوغ خواتيم تصبّ في مصلحة وطننا، وإلى جانبنا الدعم العربيّ والأوروبيّ والأميركيّ. وما من أحد يتصوّر أنّ المفاوضات سهلة، لكنّها الخيار الوحيد المتاح في وجه آلة الدمار والتعدّي والقتل. وأعلم أنّ أغلبيّة اللبنانيّين إلى جانب خيارنا”.
ثوابت لبنان: الانسحاب ووقف الاعتداءات وعودة النازحين
وردًّا على أسئلة المشاركين في الوفد، أكّد رئيس الجمهوريّة “أنّنا مع القضيّة الفلسطينيّة، ولكن ليس على حساب لبنان الذي دفع الكثير ثمنًا لهذه القضيّة. نحن نطالب بإنهاء حالة العداء مع إسرائيل وفق النقاط التي باتت معروفة: الانسحاب الإسرائيليّ، ووقف الاعتداءات، وانتشار الجيش، وعودة النازحين والأسرى. بعد ذلك نفكّر في السلام، لكن لا يمكن أن نذهب إليه إذا لم تُحلّ هذه الأمور أوّلًا”.
وقال عون: “لقد كنت واضحًا مع الرئيس الأميركيّ ترامب وقلت له ذلك. وجاء البيان الأوّل لوزارة الخارجيّة الأميركيّة متضمّنًا بندًا أساسيًّا يقضي باحترام سيادة لبنان ضمن حدوده الدوليّة المعترف بها. وهذا هو الهدف العامّ الذي نعمل عليه ونسير وفقه”.
المفاوضات ليست مخالفة للدستور
وأشار الرئيس عون إلى أنّ ما يقوم به، لجهة المفاوضات، لا ينطوي على مخالفة للدستور، بل يندرج في إطار القيام بالواجب تجاه لبنان ومستقبل شعبه. وقال: “للبعض الذي يشكّك وينحو صوب تخويننا، فلينتظر نتيجة المفاوضات وإلى ماذا ستؤول، ثمّ ليُصدر أحكامه، لا أن يفعل ذلك بشكل مسبق”.
وتابع: “من هذا المنطلق أيضًا، لا أخاف على السلم الأهليّ في الداخل اللبنانيّ، وثقتي قائمة على مستوى الوعي لدى القاعدة والطوائف والمسؤولين، وإن كان البعض يحاول اللعب على الوتر الطائفيّ واستعادة ذاكرة الحرب الأهليّة، إلّا أنّ هذا البعض لن يصل إلى تحقيق مآربه”.
إصلاحات واستعادة ثقة
ورأى رئيس الجمهوريّة، من جهة أخرى، أنّ الإصلاحات الماليّة والاقتصاديّة السياديّة سبق أن انطلقت منذ العام الماضي على يد الحكومة، مؤكّدًا أنّ “هذا المسار سنواصل السير به، وإن كان قد تأخّر بسبب العدوان الذي وقع”.
واعتبر عون “أنّ الهدف الأساسيّ لدينا يبقى إعادة بناء الثقة بين الشعب والحكومة، وكذلك بين الحكومة والمجتمع الدوليّ. وهذا يتمّ رويدًا رويدًا، وسنتابع بكلّ المشاريع التي خطّطنا لها. نحن نعيد البناء من جديد، والمسار ليس سهلًا، لكنّ النيّة موجودة، على الرغم من وجود بعض من هو نقيض الدّولة”.
وأشار الرئيس عون، في معرض ردّه على أسئلة المشاركين في الوفد، إلى “أنّ همّ المودعين حاضر لدى الحكومة، وهو هدف أساسيّ يجري العمل على معالجة مشكلتهم”.








