مجدي الحلبي

تشهد واشنطن إعادة ترتيب للمشهد السياسي إثر نتائج انتخابات التجديد النصفي، التي أفضت إلى سيطرة الحزب الديمقراطي على مجلسي النواب والشيوخ. هذا التغيير في التوازن البرلماني يضع إدارة الرئيس والسياسة الخارجية للولايات المتحدة في الشرق الأوسط أمام مرحلة جديدة من التدقيق البرلماني وتعدد مراكز التأثير، خصوصاً فيما يتعلق بالملف الفلسطيني-الإسرائيلي والعلاقات الإقليمية.

بدأت مؤشرات التباين في الموقف الأميركي بالظهور خلال الأشهر التي سبقت الاستحقاق الانتخابي؛ إذ تركت تداعيات المواجهة العسكرية مع إيران آثاراً واضحة على طبيعة النقاش الداخلي في واشنطن. وكان من أبرز تلك التطورات إعلان الإدارة تعليق مسارات محددة من التمويل العسكري السنوي لإسرائيل قبيل الانتخابات، في مسعى لمعالجة انقسامات داخل القاعدة المحافظة ذاتها، حيث يطالب تيار متنامٍ داخل الحزب الجمهوري بترشيد الإنفاق الخارجي والتركيز على الأولويات المحلية لدافعي الضرائب.

تزامن هذا الجدل مع اتساع دائرة الانتقادات لسياسات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، والتي شملت حتى الأطراف الأكثر قرباً من اليمين الإسرائيلي. وقد تجسد ذلك في الموقف الصادر عن السفير الأميركي مايك هاكابي، الذي انتقد بصراحة تصرفات جماعات المستوطنين واصفاً إياها بالإرهاب، مما عكس وصول مستوى التحفظات الرسمية الأميركية إزاء التصعيد الميداني إلى مستويات غير مسبوقة داخل المؤسسة الدبلوماسية.

مع انتقال الأغلبية إلى الديمقراطيين، بات الكونغرس يضم كتلة واسعة تدعو لمراجعة الدعم العسكري لإسرائيل وربطه بمعايير حقوق الإنسان، والدفع نحو تسوية سياسية على أساس حل الدولتين. هذا الواقع التشريعي يحد من مرونة الإدارة في تمرير قراراتها الخارجية دون مساومات، ويمنح اللجان المختصة في الكابيتول أدوات لمراقبة صفقات التسليح والإنفاق الخارجي، وفتح تحقيقات حول التطورات الميدانية في الأراضي الفلسطينية.

في المقابل، أعاد هذا التطور السياسي حضور الملف الفلسطيني إلى مركز التداول السياسي والدبلوماسي، مدعوماً بحراك إقليمي قادته المملكة العربية السعودية ودول عربية أخرى، إلى جانب اعترافات دولية متتالية بالدولة الفلسطينية، والتطرق إلى آليات تقرير المصير ضمن النقاشات المتعلقة بترتيبات مستقبل قطاع غزة. ومع ذلك، يبقى نفوذ قوى الضغط التقليدية، مثل “إيباك”، عاملاً رئيسياً في ضبط التوجهات التشريعية ومنع حدوث تحولات جذرية ومفاجئة.

إن التغيرات الناجمة عن انتخابات التجديد النصفي لا تعني بالضرورة قطيعة مع الثوابت التاريخية للعلاقات الأميركية-الإسرائيلية، ولا تمثل حسماً نهائياً لمطالب أي من الأطراف. غير أن المؤكد في المعطيات الراهنة هو انتقال صياغة السياسات تجاه المنطقة إلى مرحلة تخضع لتجاذب مباشر بين البيت الأبيض والكونغرس، حيث يواجه التحالف الأميركي-الإسرائيلي قيوداً تشريعية إضافية، بينما تكتسب الجهود الدبلوماسية المرتبطة بالحقوق الفلسطينية مساحة أوسع للتفاوض وطرح التسويات السياسية.

سهم:
عرض التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *