لم تقتصر مباحثات الرئيس السوري أحمد الشرع، في زيارته الأخيرة إلى السعودية، على الاتفاقيات التنموية والاستثمارية المعلنة، إذ كشف مصدر أمني سوري خاص لـِ “المدن” أن المباحثات تناولت ملف إنشاء ترسانة عسكرية على الأراضي السورية بدعم سعودي وتركي، إلى جانب ملفات حلف مكة والتوتر الأمني والسياسي مع الأردن.

بدوره، تحدث مصدر عسكري خاص عن أبعاد محتملة لاتفاق التعاون الدفاعي، بينها إقامة مجمع للصناعات الحربية في سوريا بتمويل سعودي، وإمكانية تهيئة دور أمني وعسكري سوري في اليمن.

وفي المقابل، أكد مصدر خاص في وزارة الخارجية السورية أن الزيارة شهدت توقيع تفاهمات ومشاريع تنموية بقيمة تتجاوز 414 مليون دولار، إلى جانب بحث ملفات النفط والتوريدات السعودية إلى سوريا.

وبينما تتقاطع هذه الملفات عند مسار إعادة بناء العلاقات الاستراتيجية بين دمشق والرياض، لا تزال طبيعة بعض التفاهمات العسكرية غير معلنة رسمياً.

اتفاق التعاون العسكري.. ما الذي يتضمنه؟

تتمثل أبرز النقاط التي أفرزتها الزيارة في اتفاق التعاون بين وزارتي الدفاع السعودية والسورية، وهو الاتفاق الذي أُعلن رسمياً، من دون الكشف عن تفاصيل جميع بنوده التنفيذية أو طبيعة الالتزامات العسكرية والأمنية التي يتضمنها.

وفي هذا السياق، أوضح مصدر عسكري خاص لـِ “المدن” أن اتفاق التعاون العسكري يتضمن بند الدفاع المشترك، الذي يخضع لحالات وتفصيلات وصور مختلفة يجري الاتفاق عليها بين الجانبين.

وأضاف المصدر أن الاتفاق يتضمن، بحسب معلوماته، إقامة مجمع للصناعات الحربية في سوريا بتمويل سعودي، إلى جانب تعزيز دور الدفاع المدني في عمليات الإمداد والإخلاء، باعتبارها أنشطة مكملة لعمل القوات العسكرية.

من جهته، كشف مصدر أمني خاص أن أحد أبرز الملفات التي بحثها الشرع في السعودية يتعلق بإنشاء ترسانة عسكرية على الأراضي السورية بدعم سعودي وتركي، موضحاً أن السلاح والتقنيات المستخدمة في هذا المشروع ستكون تركية، وأن المباحثات تناولت هذا التوجه في إطار تطوير القدرات العسكرية السورية، وفق تأكيده.

لماذا تأخر توقيع التفاهمات؟

وبحسب المصدر الأمني الخاص، فإن الاتفاقيات والتفاهمات التي لم تُحسم خلال زيارة الشرع السابقة إلى السعودية تأثرت بحسابات إقليمية مرتبطة بالموقف من إيران.

وأوضح المصدر أن الرئيس الأميركي دونالد ترامب أعطى السعودية انطباعاً بأن ضربة عسكرية حاسمة ستستهدف إيران وأذرعها، الأمر الذي دفع الرياض إلى التريث في توقيع تفاهمات استراتيجية مع دمشق، انتظاراً لما ستؤول إليه التطورات.

وأشار المصدر إلى أن زيارة الشرع السابقة شهدت بحث ملفات عدة، من بينها حصول دمشق على قرض تنموي سعودي كبير، فضلاً عن ملفات التعاون الاقتصادي والأمني، قبل أن تتقدم المباحثات باتجاه اتفاقيات أكثر وضوحاً خلال الزيارة الأخيرة.

وفي المقابل، قدّم مصدر خاص في وزارة الخارجية السورية تفاصيل المشاريع التنموية التي جرى الاتفاق عليها، موضحاً أنها تشمل ستة مشاريع بقيمة إجمالية تبلغ 403.6 ملايين دولار، بتمويل من الصندوق السعودي للتنمية.

وتتضمن المشاريع إعادة تأهيل محطة حلب الحرارية بقيمة 90 مليون دولار، وتوريد وتركيب نحو 300 ألف عداد مياه ذكي بقيمة 30 مليون دولار، وتطوير مراكز الدفاع المدني بنحو 105 ملايين دولار، وإعادة تأهيل عشرة آلاف وحدة سكنية متضررة بقيمة 60 مليون دولار، إلى جانب دعم المستشفيات والمراكز الصحية بمئة مليون دولار، وتطوير التحول الرقمي والمؤسسي لوزارة المالية بقيمة 18.6 مليون دولار.

وزاد المصدر بالقول إن التفاهمات شملت تعزيز التعاون الصناعي والزراعي والبيئي، فضلاً عن توقيع عقد لمشاركة سوريا في معرض “إكسبو الرياض 2030” بقيمة 10.6 ملايين دولار، لترتفع القيمة الإجمالية للاتفاقيات والمشاركة المعلنة إلى 414.2 مليون دولار.

ولفت المصدر نفسه إلى أن ملف النفط والتوريدات وشحنات شركة أرامكو إلى سوريا كان حاضراً على طاولة المباحثات، في إطار توسيع التعاون الاقتصادي وتأمين احتياجات السوق السورية من الطاقة.

اليمن.. هل ترسل دمشق قوات عسكرية؟

يبرز الملف اليمني باعتباره أحد أكثر جوانب التعاون العسكري حساسية، خصوصاً في ظل الحديث عن احتمالات تقديم سوريا دعماً للسعودية في مواجهة التهديدات الأمنية التي تواجهها، ولا سيما هجمات الحوثيين بالصواريخ والطائرات المسيّرة.

وكانت وكالة “رويترز” قد نقلت في تشرين الأول/ أكتوبر الماضي عن مسؤولين أميركي وسوري أن دمشق تدرس خيارات لتقديم مساعدة عسكرية للرياض، بينها دعم الدفاعات الجوية وإمكانية إرسال قوات سورية إلى اليمن، قبل أن تنفي تصريحات سورية وجود طلب سعودي رسمي لإرسال قوات.

وفي هذا الإطار، قال المصدر الأمني الخاص إن ملف اليمن يُبحث ضمن إطار استخباراتي، لكنه أكد عدم وجود نية سورية لإرسال قوات في الوقت الحالي، وفق كلامه.

أما المصدر العسكري الخاص، فقدّم قراءة مختلفة لأبعاد الاتفاق الدفاعي، معتبراً أنه قد يمهد لتدخل سوري قانوني في اليمن مستقبلاً، مشيراً إلى وجود ضباط بحرية من قوات النظام السوري السابق يعملون ضمن صفوف الحوثيين، بحسب معلوماته.

ويربط المصدر هذا الطرح بإمكانية استخدام اتفاق التعاون الدفاعي إطاراً قانونياً لأي دور سوري محتمل، لكنه لم يقدم ما يؤكد وجود قرار نهائي بإرسال قوات أو تحديد طبيعة المهمة العسكرية.

حلف مكة والتوتر مع الأردن

وبحسب المصدر الأمني الخاص، فإن زيارة الشرع إلى السعودية لم تقتصر على الملفات الثنائية، بل تركزت أيضاً على حلف مكة الدفاعي، إلى جانب ما وصفه بمعضلة التوتر السياسي والأمني بين الأردن وسوريا.

وأوضح المصدر أن دمشق تضغط باتجاه تعزيز حضورها في الترتيبات المرتبطة بالحلف، خشية المخاطر التي تواجه الجنوب السوري في ظل استمرار اعتداءات الاحتلال الإسرائيلي والضغوط الأمنية على المنطقة.

وتكشف هذه الملفات، مجتمعة، أن المباحثات السعودية السورية تتجه نحو توسيع الشراكة من الدعم الاقتصادي وإعادة الإعمار إلى التعاون الدفاعي والصناعات العسكرية والتنسيق الأمني الإقليمي.

لكن الفارق يبقى واضحاً بين ما أُعلن رسمياً من اتفاقيات ومشاريع تنموية، وما كشفته المصادر الأمنية والعسكرية والخارجية السورية من تفاصيل وتقديرات بشأن التفاهمات الأخرى، التي لا تزال بحاجة إلى إعلان رسمي يحدد طبيعتها وآليات تنفيذها، خصوصاً في ما يتعلق بالصناعات الحربية واحتمالات الدور السوري في اليمن.

سهم:
عرض التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *