أحمد عبد الحليم
من وقتٍ إلى آخر تعود التسجيلات الصوتية المنسوبة إلى جمال عبد الناصر إلى الظهور، بوصفها مادة حية تشقّ طبقات الذاكرة السياسية العربية وتعيد تشكيل طرق قراءتنا للرموز والوقائع. فهي تتحرك في المجال العام كأداة لإعادة تفسير الماضي وتوجيه فهم الحاضر في آن واحد. وفي ظل اللحظة الإقليمية الراهنة، مع الحرب الدائرة على إيران ولبنان وما سبقها من عنف إباديّ إسرائيلي واسع في غزة بدعم أميركي، يزداد حضور هذه التسجيلات بوظيفة سياسية تتجاوز مضمونها التاريخي؛ إذ تُستدعى لتكون مرآة تعكس حدود المشروع القومي العربي، وتُستخدم في الوقت نفسه لتأطير خطاب رسمي عربي جديد يعيد تعريف مفهوم “المصلحة الوطنية” بلغة واقعية مكثفة تقترب أحياناً من منطق التسليم بميزان القوى القائم.
بهذا المعنى تتحول تسجيلات عبد الناصر، سواء مع الرئيس الليبي أو الموريتاني السابقين أو غيرهما، إلى نقطة اشتباك بين ثلاث سرديات متداخلة، سردية الرمز القومي التي تستند إلى إرث المقاومة أو على الأقل فكرة عدم الاستسلام، وسردية الأنظمة العربية المعاصرة التي تبني شرعيتها على البراغماتية وإدارة موازين القوى، إلى جانب سردية الشعوب التي ما زال بعض منها يقاوم تآكل الوعي المقاوم. ومن خلال تداخل هذه السرديات تتكشف محاولة واعية لإعادة هندسة الذاكرة القومية العربية، وهي محاولة تزداد إلحاحاً في ظل الحرب الجارية على إيران ولبنان، بما يمهّد بدوره لإعادة صياغة السياسة ومفاهيم القوة والسلاح، وحتى الإطار الفكري الذي تُفهم من خلاله صراعات المنطقة.
العدسة الجديدة للتاريخ ومأزق الرمز القومي
ظهرت التسجيلات كأنها “عدسة سياسية” تمت صناعتها بعناية لاختبار صلابة إحدى أكبر الأساطير السياسية في العالم العربي، وهي أسطورة عبد الناصر بوصفه رمز المواجهة والمشروع القومي. غير أن اللافت ليس مضمون التسجيلات فحسب، لكن توقيتات نشرها، تباعاً، إذ تأتي في لحظة تاريخية تتعرض فيها المنطقة لما يمكن اعتباره أكثر فترات الضعف العربي وضوحاً منذ عقود بسبب الهيمنة الأميركية-الإسرائيلية.
تكشف هذه اللحظة عن ازدواجية جوهرية في شخصية عبد الناصر، ناصر الجماهير الذي صاغ خطاب الأمة وصوتها الثوري، في مقابل ناصر الدولة الذي وجد نفسه، وبفعل إرادته وإدارته للسُلطوية، منهكاً بعد عام 1967، كما محاصَراً بتوازنات قوى دولية وإقليمية لا ترحم، وقيادات عربية لا يهمّها سوى مجدها الشخصي. وهنا، يبدو اختيار تسجيلات آب/ أغسطس 1970 فعلاً مقصوداً، إذ تُظهر زعيماً يدرك حدود القوة وحدود الخطاب الثوري، في لحظة كان فيها واعياً بثقل الهزيمة ومرارة الواقع.
إن إبراز هذه الصورة المتعبة لناصر لا يُعدّ عملا بريئاً بمفهومه السياسي. فالسُلطوية السياسية، في عهد عبد الفتاح السيسي، المتفرج شبه الصامت على كل ما يحدث، وعبر أذرعها الإعلامية، تستخدمها لتكريس سردية تُعتبر “الواقعية” فيها امتداداً طبيعياً لتطور الفكر الناصري (العروبي) نفسه، وكأن الانسحاب من الالتزامات القومية هو خيار عقلاني فرضه التاريخ لا إرادة الأنظمة. وبذلك، يجري تحويل المشروع القومي من مشروع تحرري إلى درسٍ أخلاقي عن ضرورة الاكتفاء والانكفاء على الداخل، كما تقليص دور مصر، بما يعيد رسم حدود الهوية السياسية المصرية في حدودها الوطنية التي لا تمد يدّ عونها إلى خارج هذه الحدود.
فكفكة الرمز
لطالما كان خطاب عبد الناصر العلني أقرب إلى نار تُشعل الخيال الجمعي، وإلى ذاكرة تصوغ ملامح مستقبل لم يأتِ بعد. كان خطابه خليطاً من الأيديولوجيا والوقائع، يواجه العالم بالأرقام لا بالشعارات وحدها، فيُظهر حجم الدعم الأميركي لإسرائيل، ويؤكد أن المعركة ليست نزاعاً على خرائط بل صراعاً على الوجود ذاته. كان ناصر في المنبر صانع معنى، يحوّل الجمهور إلى فاعل تاريخي لا مجرد متفرّج، ويمنح اللحظة العربية الممزقة ما يشبه البوصلة الأخلاقية والسياسية.
لكن ما وراء المسرح، في الغرف الضيقة التي لا تطالها التصفيقات، تكمن رواية أخرى. فالتسجيل الذي جمعه بالقائد الليبي أو الأممي، كما كان يُحب أن يُنادى، معمّر القذافي، في آب/ أغسطس عام 1970، يكشف وجه ناصر حينها، وجه زعيم استنزفته الهزيمة وتكاثف فوقه ثقل المسؤولية. هناك، بعيداً عن الجماهير، يظهر ناصر كرجل دولة يدرك حدود القوة وحدود الشعار، ويعي أن الخطاب الثوري بلا قدرة عسكرية يصبح نوعاً من المغامرة الأخلاقية التي قد تُدخل الأمة في خسائر أعمق من تلك التي تسعى إلى تجنبها. في تلك اللحظة، يبدو كمن يحاول إنقاذ ما تبقى من الممكن، لا الاستسلام للمستحيل، محكوماً بواقعية حادة تجعل كل خطوة محمولة على ميزان التاريخ.
وفي هذا الحوار نفسه، تتجلّى نبرة مريرة حين يوجّه انتقاداته للدول العربية التي رفعت سقف المزايدات عليه وهو يتلقى، وحيداً، تبعات الهزائم. نسمعه يعرض خمسين مليون جنيه لمن يقرر خوض الحرب، كأنه يقلب الطاولة على من اتهموه بالتراجع ويضعهم أمام مسؤولية الفعل لا التنظير والمزايدة. ولعل أكثر ما يلخّص هذه الحالة هي عبارته الشهيرة: “ألقاه في اليم وقال له إياك إياك أن تبتل بالماء”— فهي جملة تكثّف شعوراً بالعزلة السياسية، وحتى الأخلاقية، وبأنه يُحاسَب على معركة تُدار بأكثر مما تُخاض. هكذا تتحول واقعية ناصر في لحظاته الأخيرة إلى شكل من أشكال حكمة التراجع، لا كخيانة للمبدأ، لكن كوعي مرّ بثمن الاستمرار من دون مقومات أو كفاءة إدارية، عبد الحكيم عامر مثلاً، والتي تسبب في عدم وجودها سُلطوية عبد الناصر ذاتها التي بُنيت على تمثلات استبدادية عسكرية.
إعادة إحياء هذه اللحظة اليوم لا تهدف إلى كشف التناقض بين الخطاب والمنطق فحسب، لكنها أيضاً توظيف هذا التناقض ضمن سياق سياسي دقيق. فحين يُقدَّم تراجع عبد الناصر كخلاصة حتمية لدور مصر الإقليمي، تُرسل السلطوية الحالية، على لسان الرئيس السيسي، رسالة غير معلنة مفادها، إذا كان الزعيم المؤسس للقومية العربية، ومعاداة الإمبريالية، قد اضطر إلى تقليص طموحه العروبي والتحرّري، فلماذا يُلام النظام الحالي، ومع أنظمة عربية أُخرى، مثل الأردن والسعودية، على فعل الشيء نفسه؟ هكذا يُعاد تأويل الإرث الثوري ليصبح وثيقة تبرير، وتتحول مرارة الماضي إلى قاعدة سياسية تُشرعن حدود الدور المصري، وحتى العربي، اليوم، خصوصاً تجاه غزة، ومن بعدها إيران ولبنان.
صراع الذاكرة في ظل الحرب
أتى نشر هذه التسجيلات في ذروة حرب غزة، وما بعدها، حيث يتنامى الوعي الشعبي المصري والعربي الرافض للتطبيع والمطالب بدور قوي أكثر حضوراً، فيما يخص الضغط على إسرائيل لوقف الإبادة والسماح بإعادة الإعمار، ودخول المساعدات وغير ذلك من مقوّمات يجب استعادة من أجل عودة الحياة لأهل غزة، وأيضاً رفض وتبني سردية مقاومة التوسع والعدوان على لبنان وإيران. وفي هذه اللحظة التاريخية، والدموية أيضاً، يبدو استدعاء عبد الناصر بمثابة إعادة ضبط الذاكرة الجمعية وتوجيهها. فسُلطوية السيسي، كما يردد فيلسوفها دائماً، وحتى في تعليقه الأخير بعد العدوان على إيران، فيما يتعلق الانكفاء داخل الحدود الوطنية.
من خلال هذا المنظور، يُعاد تقديم عبد الناصر كزعيم عاقل وتَفاوضي أنهكه الزمن، تُستخدم واقعيته المتأخرة لتبرير انسحاب الدولة من التزاماتها القومية ولتهيئة الرأي العام لقبول تسويات كبرى تمسه مباشرة، بما فيها مسارات تتعلق بنزع سلاح المقاومة أو إعادة هندسة غزة تحت ترتيبات أمنية دولية. هنا، يصبح الماضي بمثابة جسر تمر عبره اللغة السياسية الجديدة، لغة “التخلي” المُهذّبة التي تُقدَّم بوصفها حكمة ضرورية لا بديل عنها في وده التوحش الإمبريالي.
وهكذا يتحول تفكيك الرمز القومي إلى استراتيجية مكتملة الأركان؛ فاهتزاز صورة ناصر يجعل الهزيمة نفسها قابلة للتسويق ولا مجال للانفلات منها سوى عبر الاستسلام، ويُحوّل الذاكرة إلى مجال تُدار فيه الصراعات كما تُدار الحروب. ومع هذا التلاعب الممنهج بالرموز، يصبح التاريخ مادة طيّعة يعاد تشكيلها لخدمة مشروع سياسي يقوم على تثبيت مفهوم الدولة الوطنية على حساب المشروع القومي الأوسع، المُتحرر من التبعية، لتغدو الذاكرة نفسها أداة لإعادة هندسة المستقبل لا لقراءة ما مضى.
يبقى السؤال الجوهري معلّقاً، فهل يمكن بناء أمن وطني حقيقي بينما ننفصل بالكامل عن عمقنا القومي؟ وهل يُختزل التاريخ في أداة لإنتاج خطاب يبرّر الانسحاب من مسؤولية اللحظة؟ إن ثمن هذه الواقعية يتجلى في اللحظة التي تتحول فيها ذاكرة الزعماء إلى ذرائع للتخلي عن شعوب تواجه الإبادة، والعدوان، إذ يصبح الفارق صارخاً بين ناصر الذي اضطر للتراجع بعد هزيمة، وسلطويات تختار التراجع اليوم بالرغم من تعدد الخيارات المتاحة وحتى غير العسكرية.
نهايةً، لا يكون الصراع على الماضي إلا صراعاً على المستقبل نفسه. فإذا لم تُصن الذاكرة من التوظيف السياسي الاستبدادي، والمُبتذل، ستغدو الرموز أدوات طيّعة في يد السلطة، وسيتحول التاريخ —كما الحرب— إلى ساحة تُدار فيها معركة الحاضر تحت ستار مُراجعة ما كان. وأيضاً، هذا لا يعني أن تُرى المقاومة وخطابها واستراتيجياتها كشيء مقدّس لا يناقش، ولا يُنتقد، وبشدّة، لأن المقاومة التي تتبنى حسابات تدور حول المثاليات وترديد الشعارات، مقاومة لا تبني بيتاً ولا تعوُض مفقوداً، ولا تحقق كرامة وتحرر، لكنها تزيد من الهزائم ما يستحيل تعويضه.








