منذ إعلان دولة لبنان الكبير عام 1920، عاش الشيعة في لبنان، وخصوصاً في الجنوب والبقاع، علاقة شديدة الالتباس مع الدولة اللبنانية ومؤسساتها، ولا سيما الجيش. فهم، من جهة، كانوا من أكثر الجماعات شعوراً بالتهميش السياسي والاقتصادي والاجتماعي، لكنهم، من جهة أخرى، انخرطوا عبر قرن كامل في مشاريع وتحالفات عابرة للحدود ساهمت — بقصد أو بغير قصد — في إضعاف الدولة نفسها التي كانوا يطالبون بالعدالة داخلها. هذه المفارقة تشكل واحدة من أكثر المسائل تعقيداً في التاريخ اللبناني الحديث: هل كان الشيعة ضحية دولة ضعيفة ومختلة منذ تأسيسها، أم أنهم تحولوا تدريجياً إلى أحد أسباب استمرار ضعفها وتفكك سلطتها؟

من رفض لبنان الكبير إلى الحنين لدمشق

عند إعلان دولة لبنان الكبير من قبل المفوض السامي الفرنسي الجنرال هنري غورو ، في قصر الصنوبر عام 1920، لم يبدُ الجنوب الشيعي متحمساً للكيان الجديد. فقد رأى قسم واسع من الزعامات الدينية والسياسية الشيعية أن انتماءهم الطبيعي أقرب إلى المحيط العربي ـ السوري الذي مثّله الملك فيصل الاول في دمشق، (ثم ملك العراق بعد عزله في دمشق بعد احتلالها من قبل الجيش الفرنسي بعد معركة ميسلون ، ) لا إلى كيان لبناني وُلد تحت الرعاية الفرنسية وبغلبة سياسية مارونية واضحة. وفي مؤتمر وادي الحجير، الذي انعقد بدفع من شخصيات دينية وسياسية بارزة، رُفع مطلب الانفصال عن لبنان والانضمام إلى المملكة العربية الفيصلية. ولم يكن هذا الموقف مجرد اعتراض سياسي عابر، بل تعبيراً مبكراً عن شعور عميق بأن الكيان الجديد لا يمثل مصالح الشيعة ولا يحقق تطلعاتهم. وقد تطورت هذه المرحلة إلى مواجهات مسلحة مع الفرنسيين قادتها مجموعات محلية مدعومة من دمشق وشرق الأردن، قبل أن تُقمع بالقوة العسكرية الفرنسية. منذ تلك اللحظة، بدأت تتشكل معادلة ستتكرر لاحقاً بأشكال مختلفة: كلما شعر الجنوب بالتهميش أو الخطر، اتجه جزء من بيئته السياسية نحو البحث عن حماية أو ظهير خارج الدولة اللبنانية.

الحرمان والمدينة والهامش الشيعي

بعد الاستقلال عام 1943، كرّس الميثاق الوطني توزيع السلطة بين الموارنة والسنة، فيما بقي الشيعة الطرف الأضعف في المعادلة السياسية والاقتصادية. فلم تكن مناطق الجنوب والبقاع تحظى ببنية تحتية أو إنماء فعلي، الأمر الذي دفع عشرات آلاف الشيعة إلى الهجرة نحو ضواحي بيروت والعمل في المرفأ والبناء والبلديات والأعمال اليدوية. وهكذا نشأت الضاحية الجنوبية لبيروت بوصفها “حزام البؤس” المحيط بالعاصمة، وتحولت تدريجياً إلى خزان بشري للاعتراض السياسي والاجتماعي. في تلك البيئة، وجدت الأحزاب اليسارية والقومية والبعثية تربة خصبة للتوسع. فانخرط الشيعة بكثافة في الأحزاب الشيوعية واليسارية والقومية ( الناصريين ، البعثيين ، القوميين السوريين وغيرهم .. ) ، لا انطلاقاً من قناعة أيديولوجية مجردة فقط، بل أيضاً كوسيلة احتجاج على بنية الدولة الطائفية التي شعروا أنها همّشتهم تاريخياً.

فلسطين والسلاح وإضعاف الدولة

 مع صعود المقاومة الفلسطينية المسلحة بعد اتفاق القاهرة عام 1969، دخل الجنوب اللبناني مرحلة جديدة أكثر خطورة. فقد تحولت المناطق الحدودية إلى قواعد انطلاق للعمل الفدائي الفلسطيني ضد إسرائيل، وسط تعاطف شعبي واسع من البيئة الشيعية واليسارية والقومية. لكن هذا الواقع أدى عملياً إلى تراجع سلطة الدولة والجيش في الجنوب، إذ باتت قرارات الحرب والسلم تُدار خارج المؤسسات الرسمية اللبنانية. ومع اندلاع الحرب الأهلية عام 1975، تفكك الجيش اللبناني وانقسمت البلاد بين المحاور والتنظيمات المسلحة، فيما انخرطت شرائح واسعة من شباب الجنوب في التنظيمات الفلسطينية واليسارية والقومية، أو في التشكيلات المرتبطة بسوريا. وفي تلك المرحلة، لم يعد مفهوم “الدولة اللبنانية” يشكل مرجعية فعلية للكثير من القوى المتصارعة، بل تحولت البلاد إلى ساحة مفتوحة للصراعات العربية والإقليمية والدولية.

من الحرمان إلى الثنائية الشيعية

شكّل وصول الإمام موسى الصدر محطة مفصلية في التاريخ الشيعي اللبناني، إذ نجح في نقل الشيعة من موقع التهميش الصامت إلى موقع الفاعل السياسي المنظم عبر “حركة المحرومين” ثم “حركة أمل”. لكن التحول الأكبر جاء بعد انتصار الثورة الإسلامية في ايران عام 1979، واعتماد مبدأ “تصدير الثورة”. فقد ظهر حزب الله بدعم مباشر من الحرس الثوري الإيراني، مستفيداً من الاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982 ومن خروج منظمة التحرير الفلسطينية. ومع الوقت، لم يعد الحزب مجرد تنظيم مقاوم، بل تحول إلى منظومة عسكرية ـ أمنية ـ مالية ـ اجتماعية متكاملة تمتلك قدرة مستقلة عن الدولة اللبنانية. وقد أدى الصراع بين حركة أمل وحزب الله في الثمانينيات إلى إعادة توزيع النفوذ داخل البيئة الشيعية، قبل أن تستقر الثنائية الشيعية لاحقاً على تقاسم شبه كامل للتمثيل السياسي والأمني والاجتماعي للطائفة.

الجيش الغائب والدولة المقيّدة

منذ اتفاق الطائف وحتى اليوم، بقي الجيش اللبناني محكوماً بتوازنات داخلية وإقليمية شديدة الحساسية. فلا سوريا كانت ترغب بجيش لبناني قوي مستقل عن نفوذها، ولا إسرائيل كانت مرتاحة لفكرة وجود مؤسسة عسكرية متماسكة على حدودها الشمالية، كما أن حزب الله نفسه لم يكن مستعداً للتخلي عن تفوقه العسكري لصالح الدولة. وهكذا، بقيت الدولة اللبنانية ضعيفة، وبقي الجيش محدود القدرة والتسليح والقرار، فيما توسعت منظومات النفوذ الطائفية والحزبية والزبائنية على حساب المؤسسات الرسمية. ومع الانهيار المالي والاقتصادي بعد عام 2019، وصلت الدولة إلى مرحلة غير مسبوقة من التفكك والعجز، في وقت كانت فيه الأحزاب والطوائف تمتلك شبكاتها الخاصة للخدمات والحماية والتمويل.

الجنوب بين المقاومة والدولة

 لا يمكن إنكار أن الجنوب اللبناني دفع أثماناً هائلة في مواجهة الاحتلال الإسرائيلي، وأن آلاف الجنوبيين قدّموا تضحيات فعلية في مقاومة إسرائيل. لكن السؤال الذي يفرض نفسه اليوم بعد قرن كامل من قيام لبنان هو: هل أنتجت كل هذه المسارات دولة أقوى، أم أنها عمّقت منطق الدويلات والولاءات العابرة للحدود؟ فالنتيجة النهائية تبدو قاسية: لبنان اليوم دولة منهكة، جيشه ضعيف، اقتصاده منهار، وشبابه يهاجرون بأعداد هائلة، فيما تحوّل الجنوب مرة أخرى إلى ساحة حرب مفتوحة. لقد انتقل الشيعة اللبنانيون خلال قرن كامل من الرهان على فيصل، إلى القومية العربية، إلى المقاومة الفلسطينية، إلى سوريا الأسد، ثم إلى إيران ومحور المقاومة. لكن هذا الانتقال المستمر بين المشاريع الخارجية لم يؤدِّ إلى بناء دولة عادلة وقوية بقدر ما ساهم في إبقاء لبنان ساحة مفتوحة للصراعات الإقليمية.

بالنهاية ، ربما كانت المأساة الأساسية في التجربة الشيعية اللبنانية أن الجماعة التي شعرت طويلاً بأنها محرومة من الدولة، انتهت ، عبر بحثها الدائم عن القوة والحماية خارجها ، إلى المساهمة في إضعاف هذه الدولة نفسها. وهكذا، وبعد أكثر من مئة عام على قيام لبنان الكبير، لا يزال الجنوب يعيش القلق ذاته: الخوف من الحرب، والخوف من التخلي، والخوف من وطن لم ينجح بعد في أن يكون دولة لجميع أبنائه، لا ساحةً لصراعات الآخرين.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *