منذ تأسيسه، بنى حزب الله جزءاً كبيراً من حضوره السياسي والعسكري على فكرة “الانتصار الدائم”، حتى في اللحظات التي يتعرض فيها لبنان لخسائر بشرية واقتصادية وسيادية كبيرة. هذا الخطاب لا يعتمد فقط على الوقائع العسكرية، بل على صناعة رواية متكاملة تُقدَّم لجمهوره باعتبارها دليلاً على القوة والصمود. فكل مواجهة، مهما كانت نتائجها الكارثية على البلد، يتم تصويرها كإنجاز تاريخي، بينما تُهمَّش الأسئلة المتعلقة بالكلفة الحقيقية التي يدفعها اللبنانيون.
يعتمد الحزب في إقناع بيئته على عدة عناصر مترابطة. أولاً، السيطرة القوية على الخطاب الإعلامي داخل جمهوره، حيث يتم تقديم الأحداث من زاوية واحدة فقط. فعندما تقع حرب أو مواجهة مع إسرائيل، يتم التركيز على صور الصمود والخطابات التعبوية، بينما يتم التقليل من حجم الدمار أو الخسائر الاقتصادية والاجتماعية. وهكذا يصبح مجرد “الاستمرار” أو “عدم الانهيار الكامل” شكلاً من أشكال الانتصار في الوعي الشعبي الذي يصنعه الحزب.
ثانياً، يستفيد حزب الله من البعد العقائدي والديني في تثبيت روايته. فهو لا يقدّم نفسه كتنظيم سياسي عادي، بل كمشروع “مقاومة مقدّس”، ما يجعل أي انتقاد له يبدو وكأنه استهداف للقضية أو خيانة للبيئة التي يحتضنها. هذا الأسلوب يخلق حالة عاطفية تجعل كثيرين يتعاملون مع الوقائع بعين الولاء لا بعين المصلحة الوطنية أو الحسابات الواقعية.
كما يلعب العامل النفسي دوراً مهماً. فالجمهور الذي يعيش شعوراً دائماً بالتهديد والخوف من إسرائيل أو من التهميش الداخلي، يميل إلى التمسك بأي قوة تمنحه شعوراً بالحماية والكرامة. وهنا ينجح الحزب في تقديم نفسه كدرع للطائفة وللبلد، حتى عندما تكون سياساته سبباً مباشراً في زيادة العزلة والانهيار الاقتصادي. ومع مرور الوقت، يصبح الاعتراف بالفشل أمراً صعباً على القاعدة الشعبية، لأن ذلك يعني الاعتراف بأن سنوات طويلة من التضحيات لم تحقق النتائج الموعودة.
إضافة إلى ذلك، يعتمد الحزب على مقارنة نفسه بالدولة اللبنانية الضعيفة والفاسدة. ففي ظل انهيار المؤسسات الرسمية، يظهر كتنظيم منظم يمتلك قدرة مالية وعسكرية وخدماتية، ما يمنحه شرعية داخل بيئته رغم الانتقادات الواسعة. وبذلك تتحول أي قدرة على تقديم خدمات أو تعويضات إلى وسيلة لتعزيز الولاء وترسيخ صورة “المنتصر” حتى وسط الأزمات.
لكن المشكلة الأساسية في هذا الخطاب أنه يفصل مفهوم الانتصار عن مصلحة الدولة اللبنانية. فالانتصار الحقيقي لأي طرف سياسي يجب أن يُقاس بقدرة البلد على الاستقرار والازدهار وحماية سيادته ومؤسساته، لا فقط بالقدرة على الاستمرار في الصراع. لذلك يرى كثير من اللبنانيين أن ما يُسوَّق كانتصارات ليس سوى إعادة إنتاج لأزمات متتالية يدفع ثمنها المواطن العادي، بينما تبقى الشعارات أعلى من الواقع المعيشي الصعب الذي يعيشه الناس يومياً.








