في وقتٍ تتسارع فيه إعادة بناء خرائط النفوذ في الشرق الأوسط وشرق المتوسط، يتقاطع مساران يبدوان منفصلين، فيما يكشف تزامنهما عن تحوّلٍ أعمق في مفهوم الأمن الإقليمي.
فمن جهة، تدفع السعودية وتركيا وباكستان نحو صياغة ترتيبات أمنية تمنح دول المنطقة هامشًا أوسع للحركة والردع بعيدًا عن الاعتماد الكامل على المظلة الأميركية؛ ومن جهة أخرى تبدأ إسرائيل واليونان ببناءِ منظومة دفاعية واسعةٍ تعكس صعود التنافس مع تركيا وتحوّل شرق المتوسط إلى ساحة جديدة لتثبيت موازين القوة.
وبين ” اتفاقية مكة” و”درع أخيل”، لا يبدو المشهد أمام تحالفين تقليديين بقدر ما يبدو أمام سباقٍ لإعادة تعريف من يملك حق صياغة أمن المنطقة، ومن يحدد حدود النفوذ فيها.
وفي الخلفية، تأتي تحذيرات الرئيس التركي رجب طيب أردوغان من “اللعب بخطوط الصدع” لتُضيف بعدًا آخر إلى المشهد، حيث تتداخل الحسابات الأمنية مع الهواجس الداخلية والإقليمية، فيما تجد واشنطن وطهران وتل أبيب وأنقرة نفسها أمام معادلات تتغيّر أسرع من قدرة التحالفات القديمة على استيعابها.
وتبرز اتفاقية مكة للدفاع المشترك التي تم توقيعها قبل أسابيع مع السعودية وباكستان، كواحدة من المؤشرات على هذا التوجه، إلى جانب مسارات أخرى تشمل توسيع التعاون الدفاعي مع دول الخليج، والانفتاح المتزايد على منظمة شنغهاي للتعاون.
وقال الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الأربعاء الماضي، إن بلاده قد تبحث الانتقال إلى العضوية الكاملة في منظمة شنغهاي للتعاون، مؤكدًا أن تعزيز العلاقات مع الشرق لا يعني التخلي عن التحالفات القائمة مع الغرب.
خيارات تتجاوز البعد العسكري
في هذا السياق، قال الباحث السياسي سمير صالحة إنّ تركيا رغم كونها عضوًا في حلف شمال الأطلسي وامتلاكها ثاني أكبر جيش فيه، تتّجه في السنوات الأخيرة إلى توسيع تحركاتها الإقليمية والبحث عن تحالفات وخيارات جديدة لحماية مصالحها.
وأوضح صالحة أن تركيا لديها توجّهات غربية منذ عشرات السنين، كما أنّها جزء من منطقة الشرق الأوسط، مشيرًا إلى أنّها اعتمدت خلال الأعوام الأخيرة استراتيجية انفتاح أوسع بطابع جيوستراتيجي وجيوسياسي.
وأضاف أن التحرك التركي لم يعد مقتصرًا على المنطقة المحيطة بها، بل امتد إلى مناطق جديدة وأوسع، في إطار البحث عن حماية المصالح وبناء منظومة علاقات جديدة مع دول المنطقة.
وأشار صالحة إلى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي توفر لها الدعم العسكري والأمني، لكنها، في المقابل، ما زالت خارج الاتحاد الأوروبي، الأمر الذي يدفعها إلى البحث عن خيارات وبدائل جديدة.
ولفت إلى أن هذه الخيارات لا تقتصر على الجانب العسكري، بل تشمل أبعادًا سياسية واقتصادية واجتماعية وجغرافية، موضحًا أن أنقرة تسعى إلى إيجاد فرص إقليمية بطابع جديد.
وشدّد الباحث السياسي على أنّ توجّه تركيا نحو بناء علاقات وتحالفات إقليمية جديدة لا يعني تخلّيها عن الغرب أو عن هدف الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي.
وقال إن أنقرة “جاهزة للبحث عن خيارات وبدائل” بهدف حماية مصالحها في ظل المتغيرات التي تشهدها المنطقة، مؤكدًا أن التحرك التركي يأتي ضمن استراتيجية للتعامل مع التحولات الإقليمية.
دور العامل الإسرائيلي
من جانبه، قال رئيس مركز دراسات الشرق الأوسط بجامعة مرمرة جنكيز تومار إن تركيا لا تبحث عن بديل لحلف شمال الأطلسي “الناتو”، وإنما عن شراكات جديدة في المنطقة تحقق توازنًا أكبر في سياستها الخارجية.
ورأى أن العامل الإسرائيلي يمثل أحد العوامل المهمة في هذا التحرك، مشيرًا إلى أن استمرار عدم الاستقرار في فلسطين وغزة ولبنان وسوريا ينعكس على أمن المنطقة واقتصادها وتجارتها، ومؤكدًا أن تركيا لا تستطيع مواجهة إسرائيل بمفردها.
وأوضح تومار، أن الاستقرار الإقليمي مهم بالنسبة إلى تركيا، خصوصًا لارتباطه بالاقتصاد والتجارة والطاقة وطرق النقل، معتبرًا أن التطورات الأخيرة في المنطقة عززت حاجة أنقرة إلى بناء علاقات إقليمية جديدة.
وأشار تومار إلى أن اتفاقية مكة لا تُمثّل بديلًا لحلف شمال الأطلسي، الذي تظل مظلته مهمة بالنسبة إلى تركيا، لكنها تعكس في الوقت نفسه حاجة دول المنطقة إلى تعاون جديد، ولا سيما أن السعودية وباكستان ليستا عضوين في الحلف.
التفوق العسكري لا يكفي
في السياق ذاته، قال الباحث السياسي إسلام أوزكان إن التحولات الإقليمية التي شهدتها تركيا، خصوصًا منذ عامي 2015 و2016، دفعتها إلى إعادة النظر في سياستها الخارجية، بعدما أدركت أن تحقيق أهدافها في سوريا والمنطقة لا يمكن أن يتم بالاعتماد على قوتها وحدها.
وأوضح أوزكان أنّ التطورات الأخيرة أظهرت أن التفوق العسكري والصناعة الدفاعية المحلية، رغم أهميتهما، لا يكفيان لحماية دول المنطقة، مشيرًا إلى أن ذلك يفرض الحاجة إلى تحالفات وتوازنات إقليمية وتعاون أمني وعسكري.
وأضاف أن اتفاقية مكة جاءت في هذا السياق، معتبرًا أن التجربة التركية في سوريا أظهرت أهمية التحالفات والتنسيق مع قوى إقليمية، وأن تركيا لا تستطيع، مثلها مثل أي دولة أخرى في المنطقة، تحقيق تحولات كبيرة بمفردها.
ورأى أن عضوية تركيا في حلف شمال الأطلسي وانتماءها إلى التحالف الغربي يجعلان دخولها في مواجهة مباشرة مع إسرائيل أمرًا بالغ الصعوبة، فضلًا عن تداعيات ذلك على علاقاتها مع الولايات المتحدة وأوروبا والاقتصاد التركي.
ورفض الباحث السياسي وصف التحرك التركي الإقليمي بأنه “أطماع”، مفضلًا الحديث عن “مصالح”، مشيرًا إلى أن تركيا ترتبط باتفاقيات وعلاقات أمنية وعسكرية مع دول عدة، وأن تحركها بات يتجاوز الشرق الأوسط ليشمل شرق المتوسط والبحر الأسود والبحر الأحمر والممرات والمضائق.








