مع تواصل الحرب الأميركية على إيران، تغيب الرؤية الاستراتيجية عن الخطة الأميركية لإنهاء هذه الحرب غير الشعبية داخل الولايات المتحدة، حسب ما أكد أعضاء في مجلس الشيوخ الأميركي خلال جلسة استماع لوزير الحرب الأميركي، بيت هيغسيث، في الكونغرس هذا الأسبوع.

وطرح مشرعون أسئلة عن خطة الإدارة لإنهاء الحرب وإعادة فتح مضيق هرمز، غير أن إجابات هيغسيث ومسؤولي إدارة الرئيس دونالد ترامب ركزت على مزيد من الهجمات لإنهاء هذا الصراع. وصرح ترامب لصحيفة “أكسيوس”، أمس الخميس، بأنه يفكر في شن هجوم هائل، أكبر من أي وقت مضى، لإجبار إيران على توقيع اتفاق، غير أن التقديرات تشير إلى أن مزيداً من الهجمات لن يؤدي إلى إجبار إيران على الرضوخ لمطالب ترامب.

وفي السياق، رأى المحلل العسكري والسياسي جيسون إتش كامبل، الباحث بمعهد الشرق الأوسط في العاصمة واشنطن، أن “إدارة ترامب لا تملك إلّا مسارَين للتوصل إلى حل هنا، حتى وإن كان كلاهما غير مضمون”. وأوضح بالقول إنّ “الأول، هو تصعيد الحرب بشكل كبير، وذلك بالدفع بعشرات الآلاف، بل ومئات الآلاف، من القوات البرية واستخدامها للسيطرة على مساحة كافية من الأراضي الإيرانية والاحتفاظ بها، بحيث تكون منطقة مضيق هرمز، التي تمتد لأكثر من 600 كيلومتر، محمية، مع الأخذ في الاعتبار ضرورة التوغل لمسافة 50 كيلومتراً تقريباً داخل العمق الإيراني لتجنب خطر الصواريخ المضادة للسفن، إضافة إلى خوض حرب في مواجهة نشطة للغاية، ولفترة زمنية غير محددة”، معتبراً أن هذا الخيار، في هذه المرحلة ولعدة أسباب، يُعد أمراً غير قابل للتنفيذ على الإطلاق.

أما الخيار الثاني، كما يراه كامبل، فهو التوصل إلى حل سياسي واتفاق مع إيران على شروط معينة، مبيناً أن مشكلة أي اتفاق في هذه المرحلة ستكون “بالتأكيد أسوأ بكثير من الاتفاق النووي الذي وُقِّع خلال فترة باراك أوباما، والذي طالما انتقدته إدارة ترامب بشدة على مدى عقد من الزمان”. واستطرد بالقول: “البيت الأبيض، لأسباب مفهومة، ليست لديه الرغبة في أي من هذين الخيارين؛ لذا فهم يبحثون عن بديل، أو عن طريق ثالث، يتضمن محاولة خروج الولايات المتحدة من هذا الوضع، دون الاضطرار إلى الاعتراف رسمياً، على الأقل، بحجم الكارثة الاستراتيجية الحالية. لكن لا يمكنهم فعل ذلك طالما استمر مضيق هرمز تحت السيطرة الإيرانية الكاملة. ولهذا السبب، فهم، من الناحية العملية، في مأزق كبير”.

وأكد كامبل أن جولات جديدة من الغارات الجوية لن تغير المشهد الاستراتيجي لصالح الولايات المتحدة، معتبراً أن الإدارة لديها بصيص من الأمل من خلال هذه الهجمات، لكنها لم توضح ما تريد تحقيقه أو ما تعتقد أنها قادرة على تحقيقه.

وقال المحلل العسكري والسياسي: “نجد أن هناك مؤشرات واضحة على أن إدارة ترامب وإسرائيل تستعدان لشيء ما، أو تتخذان، على الأقل، وضعية توحي بذلك، إذ نرى حشداً للقوات العسكرية في إسرائيل، بما يوجه رسالة ما. لا نعرف ما إذا كان السبب هو وقوع أضرار جسيمة بقواعد أميركية في الخليج لدرجة تمنع استخدامها، أم أن دولاً وصلت إلى مرحلة حرجة، أو أن الأمر يتعلق بالعمل على بداية جولة جديدة من الضربات على إيران وتصعيد عسكري جديد”.

وذكّر كامبل أنه عندما حشدت القوات الأميركية في إسرائيل في الماضي، وأصدرت وزارة الخارجية تحذيراً عالمياً للمواطنين الأميركيين من السفر، خاصة إلى الشرق الأوسط، مثلما يحدث الآن، بالإضافة إلى مؤشرات أخرى، قامت الولايات المتحدة بتصعيد عسكري. وقال: “الآن تتجمع الأدلة على أنه يجري التجهيز لشيء ما. لقد رأينا كيف بدأت هذه الحرب في منتصف ليل يوم جمعة، ونحن نعلم أن الرئيس ترامب يراقب سوق الأسهم الأميركية، ولوحظ سابقاً تكرار تنفيذ مثل هذه العمليات خلال عطلات نهاية الأسبوع، حين تكون الأسواق مغلقة”.

لا استراتيجية لصناعة السياسات

وشدد كامبل على أنه لا توجد استراتيجية لصناعة السياسات في الوقت الراهن، وإنما يتعلق الأمر بعدة أشخاص في الحكومة هم الوحيدون المنخرطون في هذا الأمر. وقال: “لا يوجد تنسيق بين الوكالات، ولا يوجد عمل على المستوى التنفيذي أو الفني طيلة فترة هذه الحرب. لقد سُرح معظم طاقم مجلس الأمن القومي، وكذلك الجهات المعنية داخل الحكومة، سواء كانت وزارة الدفاع، أو وزارة الخارجية، أو مجتمع الاستخبارات، أو الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، أو وزارة الخزانة”.

وأضاف أنه “لا يبدو أن أياً من هذه الجهات، على مستوى فرق العمل، تمتلك صوتاً مسموعاً أو دوراً فعالاً في متابعة هذه الأمور أو في طرح الأفكار وتقديم المشورة”، موضحاً “نحن ننتظر جميعاً ما يقرره فعلياً خمسة أو ستة أفراد، وهم ترامب ومجموعة صغيرة من الأشخاص الذين لا يملكون خلفية دبلوماسية ولا يفهمون الشرق الأوسط على الإطلاق. وغالباً ما يتولى هؤلاء مهام متعددة في وقت واحد؛ فمثلاً، يسافر جاريد كوشنر (صهر ترامب ومستشاره) وستيف ويتكوف (المبعوث الأميركي للشرق الأوسط) حول العالم للتفاوض على صفقات ومحاولة حل أكثر القضايا الجيوسياسية تعقيداً”.

وقال المحلل العسكري والسياسي: “ترامب يتحدث عن الانتقام لأرواح الجنود الأميركيين الذين ماتوا. الانتقام ليس استراتيجية. هذه ليست استراتيجية. وصدقني حين أقول إن إيران مستعدة بالفعل لتحمّل المزيد من المعاناة، أكثر بكثير مما يمكن لأي طرف في الولايات المتحدة تحمّله”، وعاد للتأكيد أن “المؤسسة العسكرية، في الحقيقة، تتمتع بكفاءة عالية في ما يتعلق بالتخطيط العملياتي، لكن ليس لها صوت هنا، ونحن عالقون هنا حالياً”.

ورأى “أن السبيل الوحيد للخروج من هذا المأزق هو أن تدرك إدارة ترامب ضرورة التوصل إلى نوع من الحل الدبلوماسي، حتى وإن كان حلاً غير مرحب به، لكن إدارة ترامب لم تصل إلى هذه القناعة بعد. لذلك من المرجح أن يسقط المزيد من الضحايا، وأن تستهلك الولايات المتحدة المزيد من مواردها، التي استنفدت بالفعل. وعلينا فقط الانتظار”.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *