م

في توقيت بالغ الحساسية والتعقيد، وعلى وقع تجاذبات “اتفاق الإطار” والهواجس من انفجار قد يتسبب بوقوعه على الساحة الداخلية، جاءت زيارة وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني لبيروت كي تقدم دفعاً سياسياً وإيجابياً وازناً يعيد رسم توازنات المنطقة ويحصن السلم الأهلي اللبناني. وهذه الزيارة، بلقاءاتها الشاملة من بعبدا إلى عين التينة والسراي إلى المرجعيات السياسية والروحية، حملت أبعاداً استراتيجية هي الآتية:

1، حسم مرجعية الدولة ونبذ الإرث القديم، إذ كرّست الزيارة طي صفحة الماضي وأسلوب التدخلات المتبادلة، وأرست معادلة “العلاقة من دولة إلى دولة”، المبنية على احترام السيادة وخصوصية البلدين. وهذا التوجه حظي بإشادة صريحة من رئيس الجمهورية جوزاف عون ورئيس الحكومة نواف سلام، وصدرت إشاراته الأبرز من كليمنصو بإعلان وليد جنبلاط أن “النظام السابق انتهى، وعلينا فتح صفحة جديدة”.

2، قطع الطريق على الفتنة. ففي ذروة المخاوف من استغلال البعض للتناقضات الداخلية، جاء الموقف السوري الحالي حاسماً برفض أي تدخل عسكري في لبنان، ومسانداً لقرارات الدولة اللبنانية. والأهم من ذلك هو طرح دمشق مبادرة سياسية تقوم على مساعدة لبنان لحصر السلاح بيد الدولة عبر مسار حواري وتوافق وطني، تجنباً لأي صدام ميداني، وهو ما سحب فتيل الاستغلال الإقليمي لسلاح حزب الله من أجل ابتزاز الداخل.

وكان لافتاً ما جرى خلال المؤتمر الصحافي المشترك، عندنا حول سئل الرئيس سلام عن موقف الحكومة اللبنانية إذا مارست الولايات المتحدة ضغوطًا عليها لقبول تدخل سوري لنزع سلاح الحزب. فقد بادر الوزير الشيباني إلى الإجابة، لكن سلام قاطعه قائلًا: “لا أنا ولا أنت.. سبق أن أجاب عن ذلك الرئيس أحمد الشرع”.

3، ترسيخ مؤسسات الشرعية. فالتوقيع الرسمي بين رئيس الحكومة والوزير الشيباني على إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية، السورية المشتركة” يمثل إنجازاً مؤسساتياً يعيد التنسيق الاقتصادي والأمني، ولاسيما لجهة ضبط الحدود والتهريب، إلى قنواته الشرعية الصرفة وعبر الوزارات المعنية حصراً، بعيداً من القنوات الفئوية الرديفة التي سادت لسنوات.

4، التكامل الاقتصادي والعمق العربي: فتحت المباحثات آفاقاً حيوية للبنان في مجالات الطاقة والربط الكهربائي والنقل، وسط مساعٍ لإقامة شراكة اقتصادية لبنانية، سورية مدعومة بانفتاح خليجي، ما يشكل شبكة أمان وازنة للبلد في أزمته الراهنة.

لذلك، تأتي زيارة الشيباني لتشكل شبكة أمان دبلوماسية في لحظة لبنان الصعبة. فهي تسقط الذرائع التي تحاول تصوير الدولة ضعيفة ومربكة، وتؤكد أن دمشق الجديدة تحت قيادة الرئيس أحمد الشرع تقف خلف القرار الشرعي لبيروت وتدعم بسط سلطتها حتى الحدود الجنوبية. وهذا التحول الإستراتيجي يمنح الحكم في لبنان أوراق قوة إضافية لإدارة المرحلة المقابلة في وجه الشروط الإسرائيلية، ومواجهة التناقضات الداخلية.

اتفاق الإطار”، مظلّة سياسية أم قنبلة صوتية؟

لم يكن ما سُمّي “اتفاق الإطار” ليحظى بهذا الزخم لولا تبنّي رئيسَي الجمهورية جوزاف عون والحكومة نواف سلام مساراً تفاوضياً أرادا من خلاله إعادة القرار إلى مؤسّسات الدولة. لكنّ الوقائع اللاحقة أظهرت أنّ الاتفاق لا يزال أقرب إلى إعلان نوايا منه إلى مسار تنفيذي ملزم، وخصوصاً في ظلّ استمرار الاعتداءات الإسرائيلية والتنصّل من موجبات الانسحاب.

المشكلة ليست في التفاوض بحدّ ذاته، بل في اختلال ميزان الالتزامات. فإسرائيل تعاملت مع الإطار باعتباره وسيلة لانتزاع تنازلات أمنية وسياسية من لبنان، فيما أبقت لنفسها حقّ الحركة العسكرية وفرض الوقائع الميدانية. وبذلك تحوّل الاتفاق من فرصة محتملة لاستعادة السيادة إلى اختبار لمدى قدرة الدولة اللبنانية على منع استخدام التفاوض غطاءً لتكريس الاحتلال.

من هنا، بدا موقف عون محسوباً حين دعا إلى منح المسار فرصته من دون تحويله إلى وثيقة مقدّسة. فالإطار، وفق مقاربته، يكتسب قيمته فقط إذا طُبّق، أمّا إذا تعطّل بفعل إسرائيل، فإنه يسقط سياسياً وقانونياً من تلقاء نفسه. في المقابل، حرص سلام على تفكيك الالتباس الاصطلاحي، مؤكّداً أنّ لبنان ليس أمام اتفاق نهائي، بل أمام “إطار توجيهي ثلاثي” قابل للاختبار والمراجعة.

صراع المسارين الأميركيين يربك بيروت

لا يمكن فصل الالتباس اللبناني عن الانقسام داخل الإدارة الأميركية بين مقاربتين للملف الإقليمي. الأولى، أكثر تشدّداً وقرباً من الحسابات الإسرائيلية، يمثلها وزير الخارجية ماركو روبيو، والثانية، أكثر ميلاً إلى التسويات المركّبة مع إيران، يقودها نائب الرئيس جي دي فانس.

هذا الانقسام لا يعبّر عن خلاف تقني فحسب، بل عن رؤيتين لدور إيران في لبنان. فمسار روبيو يسعى إلى إبعاد طهران عن أيّ ترتيبات لبنانية، في حين يمنحها مسار فانس وظيفة ضمنية في إنتاج وقف إطلاق النار وضبط حزب الله. وعندما يصبح الوسيط الأميركي حاملاً لمسارين متوازيين، يجد لبنان نفسه أمام خطر التفاوض مع إدارة لا تزال تحدّد سياستها النهائية.

الأخطر أنّ ربط التسوية اللبنانية بتفاهمات أميركية، إيرانية أوسع قد يحوّل لبنان مجدّداً إلى بند تفاوضي، لا إلى طرف صاحب قرار. لذلك، لا تكمن المصلحة اللبنانية في رفض المسار الإقليمي، بل في منع ذوبان الأولويات الوطنية داخله. فالتسويات الكبرى قد تنتج انسحاباً إسرائيلياً، لكنها قد تنتج أيضاً إعادة تدوير النفوذ الإيراني بصيغة جديدة.

الميدان الإسرائيلي ينسف لغة التسوية

بينما كانت بيروت تناقش فرص تطبيق الإطار، واصلت إسرائيل تثبيت وقائع عسكرية تتناقض جذرياً مع أيّ حديث عن السلام. إنشاء بوابات عبور، وتجريف الطرق، وقطع الأشجار، وتفجير المنازل، ليست إجراءات أمنية مؤقّتة، بل مؤشّرات إلى محاولة بناء شريط عازل طويل الأمد.

وقد جاءت تصريحات بنيامين نتنياهو ويسرائيل كاتس لتكشف الهدف السياسي لهذه الإجراءات. فالإعلان عن البقاء في “المنطقة العازلة” ما دام ذلك ضرورياً يعني أنّ إسرائيل تريد الاحتفاظ بحقّ تعريف الضرورة ومدّتها وحدودها. وبهذا المنطق، تصبح المفاوضات وسيلة لإدارة الاحتلال، لا لإنهائه.

كما أنّ ربط الانسحاب بنزع سلاح حزب الله يمنح إسرائيل قدرة دائمة على تعطيل التزاماتها، لأنّها تستطيع في كلّ مرحلة الادّعاء بأنّ الشروط الأمنية لم تكتمل. وهنا تقع على الدولة اللبنانية مسؤولية رفض المعادلة التي تجعل السيادة مجزّأة: سلاح غير شرعي في الداخل، واحتلال إسرائيلي في الجنوب، ومفاوضات مفتوحة بلا ضمانات.

زيارة الشيباني تقلب معادلة العلاقة مع دمشق

في موازاة المأزق الجنوبي، حملت زيارة الشيباني تحوّلاً نوعياً في العلاقات اللبنانية، السورية. فالرسالة الأهم لم تكن في كثافة اللقاءات، بل في انتقال دمشق من موقع الوصيّ على القرار اللبناني إلى موقع الدولة التي تعترف بمرجعية المؤسّسات الشرعية.

تأكيد الشيباني رفض التدخّل العسكري في لبنان، واعتبار “اتفاق الإطار” شأناً تقرّره الحكومة اللبنانية، مثّلا نقيضاً مباشراً لمرحلة كانت فيها دمشق شريكاً في صناعة الحكومات والقرارات والتوازنات الداخلية. كما أنّ انفتاحه على مختلف القوى، من بعبدا وعين التينة والسراي إلى كليمنصو ودار الفتوى وبيت الكتائب، حمل إشارة إلى أنّ سوريا الجديدة لا تريد حصر علاقتها بفريق لبناني واحد.

هذا التحوّل لا ينبغي التعامل معه بسذاجة أو رومانسية سياسية، بل بوصفه فرصة يجب تحصينها باتفاقات واضحة. فالعلاقة السليمة لا تُبنى على النوايا وحدها، وإنما على مؤسّسات تمنع عودة القنوات الأمنية والحزبية التي حكمت البلدين لعقود.

اللجنة المشتركة، من الوصاية إلى المؤسّسات

إنشاء “اللجنة العليا اللبنانية، السورية المشتركة” يشكّل أبرز اختبار لصدقية الصفحة الجديدة. فالنصّ المقترح يضع السيادة والاستقلال وعدم التدخّل وحسن الجوار في صلب العلاقة، ويمنح الحكومتين مرجعية مؤسّسية لمعالجة الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية والقضائية.

أهمية اللجنة أنّها تنقل التعاون من الغرف المغلقة إلى الوزارات المختصّة، ومن العلاقات الشخصية إلى محاضر رسمية وقرارات قابلة للمحاسبة. كما تتيح للبنان معالجة ملفات الحدود والتهريب والسجناء والنقل والطاقة من موقع الدولة، لا من موقع الطرف الأضعف الذي ينتظر تسويات الأجهزة.

لكنّ نجاح اللجنة يبقى مشروطاً بعدم تحوّلها إلى نسخة محسّنة من الأطر السابقة. المطلوب أن تكون أداة تنسيق بين دولتين مستقلّتين، لا بوابة لإحياء مركزية القرار في دمشق. كما يتعيّن إخضاع أيّ اتفاقات تنفيذية للآليات الدستورية اللبنانية، كي لا تنشأ شرعية موازية تحت عنوان التعاون.

تقاطع سيادي واختبار حصرية السلاح

تقاطعت مواقف سامي الجميّل وسمير جعجع وميشال معوّض حول دعم العهد والحكومة وحصرية السلاح بيد الدولة. وهذا التقاطع يعكس اقتناعاً متزايداً بأنّ لبنان دخل مرحلة لا تكفي فيها التسويات الرمادية.

الجميّل رأى أنّ الدولة تستعيد قرارها، فيما اعتبر معوّض أنّ المعركة أصبحت معركة تحرير الدولة من الهيمنة. أمّا جعجع فربط الاتفاق بالانتقال من “الدولة الشكلية” إلى “الدولة الفعلية”، مشدّداً على أنّ المشكلة لم تعد في غياب القرار، بل في القدرة على تنفيذه.

غير أنّ تحميل حزب الله وحده مسؤولية المأزق لا يعفي إسرائيل من مسؤولية الاحتلال، كما أنّ استمرار الاحتلال لا يبرّر استمرار السلاح خارج الدولة. المعادلة الوطنية المتوازنة تقتضي رفض الأمرين معاً: لا سيادة مكتملة بوجود سلاح حزبي يقرّر الحرب، ولا دولة فعلية في ظلّ جيش إسرائيلي يحتلّ الأرض ويفرض مناطق عازلة.

فرصة الدولة وحدود الرهان

زيارة الشيباني منحت لبنان هامشاً إقليمياً جديداً، لكنها لم تحلّ أزماته. فقد أسقطت احتمال استخدام سوريا أداة عسكرية في الداخل، وفتحت الباب أمام تعاون اقتصادي وأمني مشروع، وأضعفت الحجج التي تربط حصرية السلاح بغياب العمق العربي.

مع ذلك، يبقى الامتحان الحقيقي في قدرة الحكم على تحويل الدعم السياسي إلى إجراءات. فالعهد والحكومة مطالبان بتثبيت مرجعية الدولة، والضغط لتنفيذ الانسحاب الإسرائيلي، ووضع مسار واضح لحصر السلاح، وتحصين العلاقة مع سوريا باتفاقات شفافة.

لبنان ليس أمام انتصار جاهز، بل أمام فرصة نادرة. وإذا نجحت الدولة في توحيد المسارات، من الجنوب إلى الحدود السورية، ومن التفاوض إلى تنفيذ القرارات، فقد تنتقل فعلاً من إدارة الانهيار إلى استعادة السيادة. أمّا إذا بقيت الاتفاقات حبراً على ورق، فستتحوّل كلّ هذه الحركة الدبلوماسية إلى قنبلة صوتية جديدة، فيما يبقى الميدان مفتوحاً أمام إسرائيل والسلاح غير الشرعي وصراعات الخارج.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *