لطالما ارتبطت دهون الجسم بصورة سلبية في ثقافة الحميات واللياقة البدنية، مع انتشار نصائح تدعو إلى حرق أكبر قدر ممكن منها والوصول إلى جسم شديد النحافة وعضلات بارزة. لكن خبراء يحذرون من أن خفض نسبة الدهون إلى مستويات شديدة قد يحمل مخاطر صحية لا تقل أهمية عن تلك المرتبطة بزيادتها.
ويأتي هذا التحذير مع عودة اتجاه النحافة الشديدة إلى الواجهة، وسط انتشار واسع لمحتوى فقدان الوزن على وسائل التواصل الاجتماعي وتزايد شعبية أدوية إنقاص الوزن. ويرى متخصصون أن السعي للتخلص من الدهون بأكبر قدر ممكن قد تكون له آثار بيولوجية واجتماعية سلبية.
فالدهون الموجودة في الجسم ليست مجرد كتلة خاملة أو مخزن للسعرات الحرارية، بل تعد نسيجاً نشطاً يؤدي وظائف أساسية تساعد الجسم على العمل بصورة طبيعية.
وعندما يحصل الإنسان باستمرار على طاقة أكثر مما يستهلك، تخزن الخلايا الدهنية، المعروفة باسم adipocytes، العناصر الغذائية الزائدة على شكل دهون لاستخدامها لاحقاً عندما يحتاج الجسم إلى الطاقة.
لكن دورها لا يتوقف عند تخزين الطاقة.
وتنتج الخلايا الدهنية هرمونات تتواصل مع بقية أعضاء الجسم، ومن أبرزها هرمون اللبتين الذي يرسل إشارات إلى الدماغ حول توفر مخزون كافٍ من الطاقة، ما يسمح للجسم بالتركيز على وظائف حيوية أخرى، بينها التكاثر ومقاومة العدوى.
وتلعب الدهون أيضاً دوراً في الحفاظ على حرارة الجسم، إذ توفر الدهون البيضاء طبقة من العزل، بينما تستطيع الدهون البنية والبيج حرق الطاقة لإنتاج الحرارة والمساعدة في تنظيم درجة حرارة الجسم.
ماذا يحدث عندما تنخفض الدهون كثيراً؟
عندما تنخفض دهون الجسم بشدة نتيجة تقييد السعرات الحرارية لفترات طويلة، يبدأ الجسم في محاولة الحفاظ على الطاقة المتبقية، وهو ما قد يؤثر في عدد من وظائفه الأساسية.
وقد تتراجع كفاءة جهاز المناعة، ويبدأ الجسم في استهلاك العضلات مع نفاد احتياطيات الطاقة، كما يمكن أن تتأثر عملية بناء العظام وإصلاحها، ما يزيد من الضعف وخطر الإصابة بالكسور.
ويمكن أن تمتد التأثيرات إلى الهرمونات والصحة الإنجابية. فعند الرجال الذين يصلون إلى مستويات شديدة الانخفاض من الدهون بسبب نقص التغذية المزمن، قد تنخفض مستويات التستوستيرون والطاقة والأداء البدني، بينما قد تعاني بعض الرياضيات من اضطراب الدورة الشهرية أو توقفها تماماً.
وفي الحالات القصوى، قد يؤدي الانخفاض الشديد في الدهون إلى عواقب صحية خطيرة، خصوصاً عندما يكون مرتبطاً باضطرابات الأكل مثل فقدان الشهية العصبي، الذي قد يتسبب في تلف طويل الأمد للأعضاء وقد يؤدي إلى الوفاة.
كم يحتاج الجسم من الدهون؟
لا توجد نسبة واحدة مثالية تناسب الجميع، إذ تختلف احتياجات الجسم بحسب الجنس والعمر وعوامل فردية أخرى.
لكن كدليل عام، تشير المادة إلى أن الرجال البالغين الأصحاء غالباً ما تكون لديهم نسبة دهون تتراوح بين 10 و20%، بينما تتراوح لدى النساء البالغات الأصحاء بين 20 و29%.
وحتى لدى الرياضيين، قد تكون النسب الحقيقية أعلى مما يتوقعه البعض. ففي دراسة شملت أكثر من 700 رياضي باستخدام فحوص Dexa، كانت أدنى نسبة مسجلة 10% لدى الرجال و16% لدى النساء، رغم أن بعض المشاركين كانوا يعتقدون أن نسبة الدهون لديهم لا تتجاوز 1 أو 2%.
ولا تتعلق المسألة بكمية الدهون فقط، بل بمكان تراكمها أيضاً. فالدهون الحشوية التي تتجمع حول الأعضاء الداخلية تعد أكثر خطورة عند ارتفاعها، إذ ترتبط بمواد التهابية يمكن أن تؤثر في ضغط الدم وقدرة الجسم على التحكم في مستوى السكر.
أما قياس نسبة الدهون بدقة، فليس سهلاً في المنزل. توفر فحوص Dexa تقييماً أكثر تفصيلاً لتركيب الجسم، في حين قد تعطي اختبارات ثنيات الجلد والموازين الذكية تقديرات غير دقيقة أو تتأثر بعوامل مثل مستوى السوائل في الجسم.
وتخلص الرسالة الأساسية إلى أن الهدف الصحي ليس الوصول إلى أقل نسبة ممكنة من الدهون، بل الحفاظ على كمية مناسبة منها، إلى جانب التغذية الجيدة والنشاط البدني وتمارين القوة، خصوصاً مع التقدم في العمر.
فالدهون ليست مجرد شيء يسعى الإنسان إلى التخلص منه، بل جزء أساسي من النظام الذي يحافظ على عمل الجسم وتوازنه.








