منذ اندلاع الحرب في غزة، برز سؤال سياسي وإعلامي يتكرر في الأوساط العربية والدولية: لماذا تبدو إيران أكثر استعداداً للدفاع عن حزب الله اللبناني مقارنة باستعدادها للدخول في مواجهة مباشرة دفاعاً عن حركة حماس الفلسطينية؟ وعلى الرغم من أن طهران تؤكد باستمرار دعمها للقضية الفلسطينية ولحركات “المقاومة” في المنطقة، فإن سلوكها العملي خلال الأزمات الأخيرة أظهر تفاوتاً واضحاً في مستوى الانخراط تجاه كل من الحركتين.
يعود جزء كبير من هذا التفاوت إلى طبيعة العلاقة التي تربط إيران بكل طرف. فحزب الله لا يمثل بالنسبة إلى طهران مجرد حليف سياسي أو عسكري، بل يعد أحد أهم ركائز نفوذها الإقليمي منذ ثمانينيات القرن الماضي. وخلال عقود طويلة، استثمرت إيران موارد مالية وعسكرية وسياسية ضخمة في بناء قدرات الحزب وتحويله إلى قوة مؤثرة في لبنان والمنطقة. لذلك تنظر القيادة الإيرانية إلى أي تهديد وجودي يواجه حزب الله باعتباره تهديداً مباشراً لمصالحها الاستراتيجية.
في المقابل، تختلف العلاقة مع حركة حماس من حيث العمق والبنية التنظيمية. فعلى الرغم من سنوات الدعم السياسي والعسكري والمالي، بقيت الحركة الفلسطينية محافظة على قدر من الاستقلالية في قراراتها وتحالفاتها. كما شهدت العلاقة بين الطرفين فترات من التوتر، خاصة بعد اندلاع الأزمة السورية عام 2011 عندما غادرت قيادة حماس دمشق وتباينت مواقف الطرفين تجاه الصراع السوري.
وتدرك طهران أن حزب الله يشكل الحلقة الأكثر أهمية في ما يُعرف بمحور المقاومة. فموقعه الجغرافي على الحدود مع إسرائيل، وترسانته العسكرية الكبيرة، وقدرته على التأثير في التوازنات اللبنانية والإقليمية، تجعل منه أداة ردع استراتيجية لا يمكن تعويضها بسهولة. ولذلك فإن خسارة الحزب أو إضعافه بصورة جوهرية قد تؤدي إلى تراجع النفوذ الإيراني في شرق المتوسط، وتقلص قدرة طهران على ممارسة الضغط الإقليمي.
أما بالنسبة إلى حماس، فرغم أهميتها الرمزية والسياسية في القضية الفلسطينية، فإن موقعها الجغرافي المعزول داخل قطاع غزة يحد من قدرتها على لعب دور مشابه للدور الذي يؤديه حزب الله. كما أن طهران تدرك أن أي تدخل عسكري مباشر دفاعاً عن غزة قد يجر المنطقة إلى مواجهة واسعة مع الولايات المتحدة وإسرائيل، من دون أن يحقق مكاسب استراتيجية موازية لحجم المخاطر.
ويشير عدد من المحللين إلى أن السياسة الإيرانية تقوم أساساً على مبدأ إدارة النفوذ بأقل كلفة ممكنة. فمنذ سنوات، اعتمدت طهران على شبكة من الحلفاء المحليين في عدة دول بدلاً من الانخراط المباشر في الحروب. وعندما تتعرض هذه الشبكة للضغوط، تعمل إيران على تحديد أولوياتها وفقاً للأهمية الاستراتيجية لكل طرف. وفي هذا السياق، يبدو أن حزب الله يحتل مرتبة متقدمة مقارنة بحماس من منظور الأمن القومي الإيراني.
كما أن الاعتبارات الداخلية تلعب دوراً مهماً في حسابات القيادة الإيرانية. فإيران تواجه تحديات اقتصادية وعقوبات دولية وضغوطاً سياسية متزايدة، ما يجعلها أكثر حذراً في اتخاذ قرارات قد تؤدي إلى حرب شاملة. ومن هذا المنطلق، فضلت طهران تقديم الدعم السياسي والإعلامي لحماس، مع تجنب الانخراط العسكري المباشر الذي قد يفتح أبواب مواجهة إقليمية واسعة.
في المقابل، تحرص إيران على إبقاء صورة الدعم للقضية الفلسطينية حاضرة في خطابها الرسمي، نظراً إلى المكانة المركزية التي تحتلها فلسطين في سياستها الخارجية منذ الثورة الإسلامية عام 1979. لذلك تحاول الموازنة بين المحافظة على خطابها الأيديولوجي وبين حساباتها الاستراتيجية والأمنية.
في النهاية، لا يعكس التفاوت في مستوى الدعم الإيراني لحزب الله وحماس بالضرورة اختلافاً في الخطاب المعلن، بقدر ما يعكس اختلافاً في قيمة كل طرف داخل منظومة المصالح الإيرانية. فبينما يمثل حزب الله ركيزة أساسية في بنية النفوذ الإقليمي لطهران، تبقى حماس حليفاً مهماً لكنه لا يشغل الموقع ذاته في معادلة الأمن القومي الإيراني. ومن هنا يمكن فهم سبب استعداد إيران لتحمل كلفة أكبر دفاعاً عن حزب الله، مقابل حذر أكبر عندما يتعلق الأمر بالدفاع المباشر عن حماس.








