تكشف المعطيات التي أعلنتها إيران مؤخراً عن جانب بالغ الأهمية في طبيعة المواجهة التي تخوضها الجمهورية الإسلامية مع أمريكا وحلفائها، يتمثل في أن القوات المسلحة في الجمهورية الإسلامية لم تكتفِ ببناء الدفاعات داخل البلاد لصد أي هجوم محتمل، بل سعت إلى نقل جزء من معركة الدفاع إلى خارج الحدود، عبر استهداف مصادر التهديد قبل تحولها إلى قوة قادرة على تنفيذ عمليات برية داخل الأراضي الإيرانية. وهذا ما يظهر بوضوح، مع الكشف عن إحباط مخطط لتنفيذ هجوم بري، وهو الذي يعني أن إيران نجحت في تطبيق مبدأ أمني يقوم على “إجهاض التهديد في مهدِه” بدلاً من انتظار وصوله إلى أراضيها.
وفي هذا السياق، أكد رئيس لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في مجلس الشورى الإسلامي إبراهيم عزيزي أن القوات المسلحة الإيرانية، بالتعاون مع القوات الشعبية، أحبطت مخططاً لشن هجوم بري على إيران قبل تنفيذه. مضيفاً بأنه كان المخطط يتضمن عمليات تسلل وهجمات من الجبهة الغربية، إلى جانب محاولات استغلال جزيرتي خارك وقشم ومناطق أخرى، قبل أن تتمكن الوحدات الإيرانية من كشف المخطط وإجهاضه.
وتكتسب هذه المعلومات أهميتها من طبيعة السيناريو المفترض نفسه. فالعمل البري ضد دولة بحجم إيران وجغرافيتها لا يبدأ بالضرورة بإنزال قوات كبيرة، وإنما يمكن أن ينطلق من عمليات تسلل محدودة، أو مجموعات مسلحة، أو وحدات خاصة، أو تشكيلات إرهابية مدعومة استخبارياً ولوجستياً، بهدف فتح ثغرات في الحدود وخلق نقاط ارتكاز يمكن توسيعها لاحقاً. ومن هنا تبدو العمليات الإيرانية خارج الحدود جزءاً من استراتيجية أوسع لمنع تشكل مثل هذه الرؤوس الجسرية.
وفي هذا الإطار، كشف الجيش الإيراني في آب/أغسطس 2026، عن تنفيذ 14 عملية برية خاصة داخل إقليم كردستان العراق، وتحديداً في محافظتي أربيل والسليمانية، ضد مقار وتحركات جماعات انفصالية تصفها طهران بالإرهابية. ووفق التصريحات الرسمية لمستشار القائد العام للجيش الإيراني، العميد مجتبى جعفري، فقد نفذت هذه العمليات عناصر “الفرقة 23” للقوات الخاصة المحمولة جواً، واستهدفت مواقع ومقار للمجموعات المسلحة وقيادات استخبارية تابعة لها. وأسفرت العمليات عن مقتل عدد من القياديين والعناصر وأسر آخرين، قبل أن تعود القوات المنفذة إلى الأراضي الإيرانية من دون خسائر.
هذا الإعلان يحمل رسالة استراتيجية واضحة، تريد إيران لإيصالها لأمريكا وإسرائيل وكل من صقور الحرب فيها، بأن الحدود الغربية لها – وبطبيعة الحال المناطق الأخرى التي ربما تكون بوابة شن أي عدوان بري محتمل – ليست منطقة انتظار سلبي للتهديد، وإن أي قوة يجري إعدادها أو تنظيمها لشن هجمات برية على الأراضي الإيرانية ستصبح هدفاً قبل أن تبدأ مهمتها.
وهنا تكمن إحدى أهم نقاط التحول في المعادلة الدفاعية الإيرانية. فالدفاع التقليدي يقوم على اعتراض القوة المهاجمة عند الحدود أو داخل الأراضي الوطنية، بينما يقوم مفهوم “الدفاع المتقدم” على اكتشاف مصادر التهديد واستهدافها في مناطق استعدادها وانطلاقها. وبذلك تحوّل إيران المسافة الجغرافية التي تفصلها عن أعدائها إلى مساحة أمنية إضافية، بدلاً من اعتبارها مجرد منطقة عازلة.
كما أن اختيار القوات الخاصة المحمولة جواً لتنفيذ مثل هذه العمليات، يكشف أبعاداً إضافية لما حققته الجمهورية الإسلامية من إنجازات عسكرية خلال تصديها للعدوان الصهيوأمريكي خلال العام 2026. فهذه القوات مصممة للعمل في بيئات معقدة، وتنفيذ عمليات سريعة ومحدودة وعالية المخاطر، وضرب أهداف نوعية ثم الانسحاب. وبالتالي، فإن استخدامها في عمليات خارج الحدود يوضح أن إيران قد أعدّت قواتها البرية للقيام بجميع أنواع المهمات، داخل وخارج البلاد، بما فيها حرب الاستخبارات والتسلل والعمليات خاصة، وهو ما يمكن تكراره خلال أي تصعيد.
وتؤكّد هذه الاستراتيجية قرار الجمهورية الإسلامية الحاسم، باستهداف هذه المجموعات أينما كانت قبل اكتمالها، من أجل رفع تكلفة أي محاولة لإدخال قوات أو مجموعات مسلحة إلى أراضيها بصورة كبيرة، ولكي تصبح عملية التخطيط نفسها أكثر تعقيداً. وهذا يفسّر بعض جوانب فشل أمريكا في اللجوء الى هذا الخيار سابقاً.
وتزداد قيمة هذه الرسالة مع التحذير الذي أطلقه إبراهيم عزيزي من أن أي محاولة جديدة للمساس بأمن إيران ستجعل أمن الخصوم في أنحاء العالم عرضة للخطر. فالمقصود هنا ليس بالضرورة التهديد بعملية عسكرية محددة، بقدر ما يمثل إعلاناً عن توسيع مفهوم الرد الإيراني. أي أن طهران تريد تثبيت معادلة مفادها أن أمنها لا يمكن فصله عن أمن المصالح والقواعد والشبكات المرتبطة بخصومها خارج حدودها.
وبذلك يمكن فهم ما أعلنته إيران باعتباره جزءاً من استراتيجية “الحرب بالنقاط”: منع الخصم من تحقيق هدف كبير من خلال سلسلة عمليات صغيرة ومتراكمة، تستهدف عناصر القوة الضرورية لتنفيذ ذلك الهدف. فإذا كان الهدف هو شن عملية برية، فإن مواجهة هذا الهدف لا تبدأ بالضرورة بمواجهة الدبابات والمشاة، بل بإحباط الاستطلاع، وتفكيك شبكات التسلل، وضرب القيادات، وتدمير البنية اللوجستية، واستهداف العناصر التي يمكن أن تتحول إلى قوة ميدانية.
ومن هذه الزاوية، فإن أهمية المعطيات التي كشفت عنها إيران لا تكمن فقط في عدد العمليات أو طبيعة القوات التي شاركت فيها، وإنما في الرسالة التي تحملها: أي عمل بري ضد الجمهورية الإسلامية قد يجد نفسه مكشوفاً ومواجهاً قبل أن يصل إلى الأراضي الإيرانية.
وعليه، فإن العمليات التي أعلنت عنها إيران في كردستان العراق، إلى جانب الحديث عن إحباط مخطط للهجوم البري، ترسم صورة لاستراتيجية دفاعية هجومية متكاملة: اكتشاف التهديد، اختراق بيئته، ضرب قياداته، تفكيك قدراته، ثم العودة إلى الأراضي الإيرانية قبل أن يتمكن من تحويل نفسه إلى خطر مباشر.








