أهدى الزعيم الدرزي وليد جنبلاط لضيفه وزير الخارجية السوري أسعد الشيباني مجموعة كتب قيل إنها ثلاثة وقيل إنها أربعة. المهم ما عرفناه منها ثلاثة عناوين بارزة ومتداولة هي “الدروز في زمن الغفلة: من المحراث الفلسطيني إلى البندقية الإسرائيلية” للمؤرخ والباحث قيس فرو، “أحداث دمشق: مذبحة عام 1860 وتكوين الشرق الأوسط الحديث” للمؤرخ الأميركي يوجين روغان و”المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918-1958)” لرؤوفين أرليخ.

الأرجح أن جنبلاط ساهم في ترويج أحد هذه الكتب، التي تتعلق بالأقليات والتاريخ المعاصر ومتقاطعة بشكل أو بآخر، وتتناول سوريا ولبنان وفلسطين وتختصر واقع الشرق الأوسط في في خضم التحولات والحروب والاحتلال. واهتمام جنبلاط بهدايا الكتب ليس بجديد وسبق أن أهدى عشرات المؤلفات لشخصيات سياسية، بعض منها حمل جانباً معرفياً، وبعضها اتسم برسالة سياسية مشفرة أو مباشرة، وغالباً ما يركز على كتب التاريخ المعاصر من حرب 1860 إلى سايكس بيكو والحرب العالمية الأولى والثانية، ولعبة الأمم. ووفقاً لحواره مع الإعلامي أحمد منصور في برنامج “شاهد على العصر”، يرى وجنبلاط أنه “من دون التاريخ لا تفهم شيئاً”؛ فهو يعتبر دراسة التاريخ أداة حيوية لفهم الحاضر وتطورات المنطقة، مستشهداً بكيفية قراءته للعهد القديم لفهم خلفيات الخطاب السياسي الإسرائيلي خلال حرب غزة. 

وكتاب “الدروز في زمن الغفلة”، سبق أن أهداه جنبلاط لكل من الملك عبدالله في الاردن، ورئيس حركة حماس الراحل إسماعيل هنية خلال زيارته كليمنصو، واستعمله في أكثر من تصريح سياسي. ويحلل الكتاب التحولات السياسية والاجتماعية لطائفة الموحدين الدروز في بلاد الشام، ويوضح كيف خططت إسرائيل واستغلت مصادرة الأراضي الزراعية وتدهور الوضع الاقتصادي، لاختراق القرى الدرزية، بهدف دفع أبنائها إلى ترك الزراعة والانخراط في سلك الأمن والتجنيد الإجباري. ولا شك أن جنبلاط يقرأ الحاضر من خلال الماضي، وتحديداً قضية الدروز في السويداء الآن وعلاقتهم بإسرائيل.
 

الكتاب الثاني “أحداث دمشق: مذبحة عام 1860 وتكوين الشرق الأوسط الحديث”. أحداث 1860 في صلب اهتمام وليد جنبلاط والدروز عموماً، وهي مأساة محورية في جبل لبنان قبل طوشة دمشق. في هذا الكتاب يعيد روغان إنشاء عالم الشرق الأوسط المفقود تحت الحكم العثماني. كانت الامبراطورية القوية ذات يوم تحت ضغط من التغير الاقتصادي العالمي والتوسع الإمبريالي الأوروبي. أثارت الإصلاحات في منتصف القرن التاسع عشر توترات في جميع أنحاء الإمبراطورية، ليس في أي مكان أكثر من دمشق. مدينة متعدّدة ترتبط بتجارة القوافل ببغداد والبحر الأبيض المتوسط ومكة، جعلت فوضى اللغات والعادات والمعتقدات من دمشق مكانًا متسامحًا بحذر. حتى بدأت الإصلاحات في صالح الأقلية المسيحية على حساب الأغلبية المسلمة.

بحلول خمسينيات القرن التاسع عشر، كان المسيحيون في دمشق يكتسبون الثروة والنفوذ بفضل علاقاتهم الأوروبية. وتفاقمت هذه المكاسب بسبب الإصلاحات العثمانية عام 1856 التي منحت المساواة أمام القانون للمسلمين والمسيحيين واليهود. وفجأة، تخلت مجتمعات الأقليات عن مكانتها كمواطنة من الدرجة الثانية وطالبت بالمساواة مع النخب المسلمة في المدينة. لقد ولّد عقدان من المكاسب المسيحية على حساب المسلمين استياءً عميقًا.

في 9 يوليو 1860، أرسل والي دمشق مجموعة من الشباب المسلمين لكنس شوارع الحي المسيحي، عقاباً لهم على تدنيس الصلبان في الشوارع. وكان مشهد الشباب المسلمين الذين يُهانون باعتبارهم مجرمين عاديين لارتكابهم جريمة تبدو بسيطة، بمثابة الشرارة التي أطلقت العنان لثمانية أيام من أعمال العنف الغوغائية.
استلهم الغوغاء القتلة في دمشق الحرب الأهلية التي اندلعت في جبل لبنان المجاور في وقت سابق من ذلك الصيف نفسه. في أواخر أيار 1860، شنت الطائفة الدرزية سلسلة من الهجمات المفاجئة على معاقل المسيحيين في المرتفعات الجنوبية. أثارت انتصارات الدروز على المسيحيين اللبنانيين شهوة الدم في دمشق، والتي غذت العداءات العميقة والمتنامية ضد جيرانهم المسيحيين. عندما اجتاح الدروز معقل المسيحيين اللبنانيين في زحلة في يونيو 1860، قام أصحاب المتاجر بتعليق الفوانيس في أسواق دمشق احتفالاً.
في حين أن العنف في جبل لبنان ينبع من جذور مختلفة عما هو عليه في دمشق، ويشارك فيه مجتمعات مختلفة -الدروز مقابل الموارنة في جبل لبنان، والمسلمون مقابل جميع الطوائف المسيحية في دمشق- إلا أنه كان لديهم عنصر واحد مشترك: يعتقد المهاجمون أن المسيحيين يشكلون تهديدًا وجوديًا على سوريا.

المتاهة اللبنانية
الكتاب الثالث هو “المتاهة اللبنانية: سياسة الحركة الصهيونية ودولة إسرائيل تجاه لبنان (1918-1958)”، بعض المعلومات فيه استعملت في سياق التنافر اللبناني – اللبناني، أو القول إن زعيم الطائفة الفلانية كانت يتآمر مع الصهاينة ضد الطائفة الأخرى. الكتاب دراسة مسهبة تبحث في العلاقات التي نسجتها الوكالة اليهودية، ثم دولة إسرائيل، مع الجماعات الطائفية اللبنانية طوال أربعين سنة (1918-1958). ويستند إلى الأرشيف الصهيوني وأرشيف دولة اسرائيل وأرشيف الجيش الاسرائيلي وأرشيف الهاغاناه وأرشيف شعبة الاستخبارات العسكرية وأرشيف حزب العمل، علاوة على مراسلات زعماء الحركة الصهيونية، خصوصاً دافيد بن غوريون وموشي شاريت، وكتب اليوميات والمذكرات والشهادات الشخصية، وكذلك الوثائق المحفوظة في معهد تراث بن غوريون.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *