رفيق خوري

مكر التاريخ أخطر من تكراره، لا كتراجيديا في المرة الأولى وملهاة في الثانية على الطريقة التي سخر بها ماركس من هيغل، بل كمأساة أقسى من مأساة المرة الأولى. ولبنان يعود، من دون إرادته، إلى مرحلة ما قبل عام 2000 وقتال “المقاومة الإسلامية ” للإحتلال الإسرائيلي في الجنوب. وليس من السهل استعادة مشهد عام 2000 يوم 25 أيار حين انسحب الإحتلال الإسرائيلي وصار “عيد المقاومة والتحرير”. فالظروف متغيّرة. واللعبة الإقليمية والدولية مختلفة.

عام 2000 كان الشرق الأوسط عشية تطورات درماتيكية على صعيد الإقليم والعالم. إسرائيل انسحبت من الجنوب من دون مفاوضات ولا قيد ولا شرط، بحجة تطبيق القرار 425 الذي رفضت تطبيقه منذ صدوره. سوريا التي أراد رئيس الوزراء الإسرائيلي ايهود باراك، بالإنسحاب، إحراجها لإخراجها من لبنان، بقيت حتى أجبرتها أميركا وفرنسا و”ثورة الأرز” على الخروج عام 2005 بعد اغتيال الرئيس رفيق الحريري. إيران المتحالفة مع سوريا عملت لأسباب إستراتيجية كما عملت دمشق لأسباب تكتيكية على اختراع مبرر لإحتفاظ ب “حزب الله”بسلاحه، فخرجت من الأرشيف قصة مزارع شبعا وتلال كفرشوبا.

أميركا كانت مشغولة باهتمامات داخلية قبل حدوث “غزوة نيويورك” في أيلول 2001 واندفاع “المحافظين الجدد” لتغيير العالم بدءاً من دفع الرئيس جورج بوش الإبن إلى غزو أفغانستان ثمّ العراق. لبنان الرسمي كان تحت الوصاية السورية والإيرانية كأنه غير موجود. والعالم العربي كان في إرهاصات الخروج النهائي من الخيار العسكري في الصراع مع إسرائيل، والإستعداد لمشروع الأمير عبد الله بن عبد العزيز الذي تبنته قمة بيروت العربية عام 2002 تحت عنوان مبادرة السلام العربية والإعلان أن “السلام خيار إستراتيجي”.

اليوم يبدأ لبنان مفاوضات مباشرة مع إسرائيل برعاية أميركية وسط دعم شعبي وعربي ودولي، ورفض من “حزب الله”وإيران. أميركا في مفاوضات مع إيران التي واجهت حرباً أميركية-إسرائيلية مدمرة. سوريا صارت في محور آخر بعد سقوط نظام الأسد. “الحزب” تعرض لضربة قاسية في حرب إسرائيل على حربه لإسناد غزة، ثم على حربه لإسناد إیران، لكنه مستمر في القتال من أجل طهران ومشروع الجمهورية الإسلامية مهما يحصل للجنوب.

إسرائيل التي احتلت أجزاء من الجنوب وأقامت “منطقة عازلة” واستمرت في عمليات التدمير والتهجير والقتل، تريد ثمناً كبيراً للإنسحاب من الجنوب، وقبل ذلك لوقف النار، بدایته سحب سلاح “الحزب” ونهايته أبعد مما تستعد بيروت لعرضه في المفاوضات، وهو إنهاء حال العداء. وطهران مصرة ومعها “الحزب” على ربط لبنان بإيران، في حربها مع أميركا وإسرائيل ومفاوضاتها مع واشنطن.

وكل ذلك ضمن مشروع الرئيس دونالد ترامب لسلام في الشرق الأوسط، هو شرق أوسط جديد أميركي لإسرائيل دور فيه وللعرب موقع مهم فيه، وهو مضاد للمشروع الإقليمي الإيراني الذي فحواه “شرق أوسط إسلامي”، بقيادة الولي الفقيه. وهو صار من الماضي وكان رهاناً على ماضٍ بعيد. ولا أحد يعرف كيف تنتهي الأمور في حرب لم تكتمل يدعي كل طرف فيها أنه منتصر، ومفاوضات لا طرف يريد أو يستطيع تقديم تنازلات مؤلمة فيها. ولا مجال للتعايش بين مشروعين متعاكسين. ومن الوهم تصور “حزب الله” أنه يستطيع قلب الطاولة على الجميع في البلد، وتصرفه كأنه “قوة إقليمية عظمى” قادرة على محاربة إسرائيل ودول وقوى أبعد منها. ولا معنى لأن يتفرد في القتال ويطالب بوحدة وطنية، لأن وحدة الصف على الخطأ والتضحية بلبنان وشعبه في حرب من أجل إيران، هي كارثة أكبر من حرب أهلية يهدد بها ولا أحد يريد الدخول فيها.

والأفضل بالنسبة إلى الجميع هو انتظار التطورات في إيران بعد الحرب، أيا تكون الصفقة، و “حرب ما بعد الحرب أشد صعوبة من الحرب” بحسب الخبير الإستراتيجي الأميركي أنطوني كوردسمان.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *