خالد منتصر
في السنوات الأخيرة تحولت السجائر الإلكترونية من مجرد «جهاز جديد للتدخين» إلى واحدة من أعنف المعارك داخل الطب والسياسة والصحة العامة. المعركة لم تعد فقط حول النيكوتين، بل حول سؤال أكبر: هل نحن أمام وسيلة لإنقاذ ملايين المدخنين من السجائر التقليدية، أم أمام اختراع ذكي يعيد إنتاج الإدمان في شكل أكثر أناقة وحداثة؟، هذا الجدل تفجّر مؤخراً بقوة بعد الأزمة التي انتهت باستقالة الطبيب الأمريكي Marty Makary من إدارة الغذاء والدواء الأمريكية FDA، وسط تقارير تحدثت عن صدامات تتعلق بملف السجائر الإلكترونية المنكهة، وضغوط سياسية وتجارية هائلة للسماح بانتشارها.
القصة لم تكن مجرد خلاف إداري، بل كانت انعكاساً لصراع عالمي بين ثلاث قوى: شركات تريد سوقاً بمليارات الدولارات، ومدافعين عن «تقليل الضرر»، وأطباء يخشون أن يتحول جيل كامل من المراهقين إلى مدمني نيكوتين عبر بوابة إلكترونية ملونة بنكهة الفراولة والمانجو واللبان. المفارقة أن السجائر الإلكترونية نفسها وُلدت أصلاً كحل لمشكلة السجائر التقليدية، فالسجائر العادية ليست مجرد «نيكوتين»، بل مصنع احتراق كيميائي صغير يدخل الرئة عشرات المرات يومياً.
عند إشعال السيجارة يتحول التبغ إلى خليط من القطران وأول أكسيد الكربون وآلاف المواد الكيميائية، منها عشرات المواد المسرطنة المؤكدة. ولهذا ارتبط التدخين التقليدي بسرطان الرئة والمثانة والحنجرة، وتليف الشرايين، والجلطات، والانسداد الرئوي المزمن، حتى أصبح أحد أكبر أسباب الوفاة القابلة للمنع في العالم، أما السجائر الإلكترونية فتعتمد غالباً على تسخين سائل يحتوي على النيكوتين، بدلاً من حرق التبغ نفسه، هنا تقل نواتج الاحتراق والقطران وأول أكسيد الكربون، ولهذا يرى كثير من الباحثين أنها «أقل ضرراً» من السجائر التقليدية، لكن المشكلة أن عبارة «أقل ضرراً» تحوّلت في أذهان كثيرين إلى «آمنة»، وهنا تبدأ الكارثة، فالvape ما زال يحمل النيكوتين المسبّب للإدمان، وما زال يعرّض الرئة لمواد كيميائية دقيقة ومعادن ومركبات قد تتحول بفعل الحرارة إلى مواد سامة.
كما ظهرت إصابات رئوية خطيرة مرتبطة بالتدخين الإلكتروني، أشهرها ما عُرف باسم: EVALI، لكن أخطر ما في السجائر الإلكترونية ربما ليس الكيمياء وحدها، بل «الشكل»، فالسجائر التقليدية أصبحت مرتبطة في وعي الناس بالرائحة الكريهة والسعال وصور السرطان السوداء على العلب. أما الvape فجاء بلغة التكنولوجيا الحديثة: ألوان لامعة، تصميم أنيق، روائح حلوى وفواكه، وإعلانات توحي بالحرية والحداثة، وهنا يخشى أطباء الصحة العامة من نقطة شديدة الخطورة: أن هذه المنتجات لا تستبدل المدخنين فقط، بل تصنع مدمنين جدداً لم يكونوا سيُدخنون أصلاً، ولهذا أصبح المراهقون محور المعركة العالمية حول الvaping.
جهات مثل World Health Organization تحذّر من التوسّع غير المنضبط في السجائر الإلكترونية، خصوصاً المنكهة، لأنها ترى أنها تجذب الشباب نحو الإدمان النيكوتيني. في المقابل، ترى جهات أخرى مثل National Health Service أن المدخن الشره الذي ينتقل بالكامل من السجائر التقليدية إلى الvape قد يُقلل جزءاً معتبراً من الضرر الواقع على رئتيه وقلبه، إذن نحن أمام معضلة حقيقية: هل نقبل بمنتج أقل ضرراً لإنقاذ المدخنين الحاليين؟، أم نمنعه خوفاً من خلق جيل جديد من المدمنين؟، هذا بالضبط ما جعل ملف السجائر الإلكترونية يتحول من قضية طبية إلى حرب سياسية واقتصادية وأخلاقية، وفي قلب هذه الحرب جاء صدام مكاري مع إدارة الرئيس Donald Trump حسب تقارير أمريكية، حيث كان متحفّظاً تجاه التوسّع في تراخيص السجائر الإلكترونية المنكهة التي تجذب المراهقين بشدة، والتي كانت مدعومة بقوة من لوبي شركات الvaping، كما أن ترامب كان قد تعهد خلال حملته بحماية صناعة الvape الأمريكية.
ومع تصاعد الضغوط السياسية والتجارية، انتهت الأزمة باستقالته، لتتحول الواقعة إلى رمز للصراع الأكبر: من يُحدد مستقبل الصحة العامة؟ العلماء؟ السياسيون؟ أم الشركات العملاقة؟، الحقيقة العلمية حتى الآن تقول شيئاً مهماً جداً، السجائر الإلكترونية ليست «هواءً نقياً»، لكنها غالباً أقل فتكاً من السجائر التقليدية، لكن الحقيقة الأخرى تقول أيضاً، إن أخطر سيجارة أحياناً، هي تلك التي تأتي متنكرة في شكل لعبة إلكترونية بطعم الحلوى.








