شارك الجيش السوري قبل أيام، للمرة الأولى، في مناورات عسكرية خارج الحدود. ونشرت وزارة الدفاع السورية صوراً لمشاركة مجموعات من الجيش السوري في مناورات إفس 2026 (EFES 2026) التي أجريت في إزمير غرب تركيا بمشاركة قوات من نحو 50 دولة. وقالت الوزارة، في بيان قبل يومين، إن هذه المشاركة تهدف إلى “تعزيز حضور الجيش العربي السوري في الفعاليات العسكرية الخارجية، وتوسيع قنوات التعاون والتواصل مع الجيوش المشاركة، والاستفادة من التجارب التدريبية والتنظيمية التي يمكن توظيفها في مسارات التطوير”.
من جانبها، ذكرت وزارة الدفاع التركية، أن الجيش السوري يشارك للمرة الأولى في تدريبات عسكرية خارج الأراضي السورية، من خلال وحدة أساسية، ضمن المناورات التي تضم قوات برية وبحرية وجوية من عدة دول، بينها سورية وليبيا. وأوضحت الوزارة أن هذه المشاركة تأتي في إطار برامج التدريب والتعاون العسكري مع دمشق، وتهدف إلى تعزيز تبادل الخبرات والاطلاع على أنماط العمل العسكري الحديث ضمن بيئات عمليات متعددة الاختصاصات. وهذه المرة الأولى التي يشارك بها الجيش السوري في مناورات عسكرية خارج الحدود منذ تشكيله بعد إسقاط نظام بشار الأسد، عبر دمج العشرات من الفصائل العسكرية التي واجهت النظام السابق على مدى نحو 13 سنة، وأسقطته في 8 ديسمبر/كانون الأول العام 2024. ومنذ تسلمها مقاليد الأمور في البلاد، حلت السلطات الجيش السابق، وألغت مبدأ التجنيد الإلزامي.
تحدي دمج الفصائل في الجيش السوري
وبدأت وزارة الدفاع في الحكومة الانتقالية مهامها في تشكيل الجيش السوري وسط ظروف ومعطيات معقدة، ولا سيما لجهة دمج فصائل متباينة في الرؤى في قوام جيش واحد وبعقيدة قتالية مختلفة تماماً عن تلك التي كانت موجودة أيام حكم الأسد. كما أن الجيش الإسرائيلي ضرب كل المقدرات العسكرية السورية بعد أيام قليلة من إسقاط نظام الأسد، إذ شن عملية قصف جوي، طاولت أغلب المواقع العسكرية في البلاد. ودمجت وزارة الدفاع في الجيش السوري آلاف المقاتلين الأجانب بضوء أخضر من الجانب الأميركي، فضمت نحو 3500 مقاتل أجنبي، معظمهم من الإيغور الصينيين إلى الفرقة 84 التي تنتشر في الساحل السوري، وتضم نحو 30 ألف مقاتل، جلهم سوريون.
ومع بدء تأسيسه، واجه الجيش السوري أكثر من اختبار، كان الأول في مارس/آذار 2025، حين اندلعت معارك مع فلول النظام البائد في الساحل السوري، والتي تطورت إلى عمليات قتل واسعة بحق المدنيين، ما دفع الاتحاد الأوروبي الى إدراج قائدين في هذا الجيش في قائمة العقوبات، هما محمد جاسم (الملقب أبو عمشة) قائد الفرقة 25، وسيف بولاد قائد فرقة “الحمزات”. والاختبار الثاني كان في يوليو/ تموز 2025، حين تدخل لإنهاء اقتتال كان يجري في السويداء بين الدروز والبدو، ما أدى أيضاً الى انتهاكات واسعة بحق المدنيين، فتحت الباب أمام إسرائيل لتوجيه ضربة طاولت مبنى رئاسة أركان الجيش السوري في قلب دمشق.
وبحسب مصادر مطلعة، فضّلت عدم ذكر اسمها لأنها غير مخولة بالحديث عن هذا الأمر، يتكون الجيش السوري من 20 فرقة “موزعة في مختلف مناطق القطر”، مضيفة، في حديث مع “العربي الجديد”: مؤخراً جرى ضم ثلاثة ألوية للجيش من “قوات سوريا الديمقراطية” (قسد)، قوام كل لواء 1300 عنصر يتلقون اليوم تدريباً مع بقية القوات في الكلية الحربية في حمص. وتابعت: هناك قوى بحرية من تركة جيش النظام السابق، يمكن إعادة إصلاحها وتأهيلها بالتعاون مع الجانب الروسي. وأشارت إلى أن هناك أيضاً وحدات جوية تتمثل بالمروحيات وما تبقّى من سلاح الجو.
وقالت المصادر إن العمل يجري حالياً على إعادة تأهيل المطارات العسكرية في سورية بالتعاون مع الجانب الروسي أيضاً. وحول البنية الإدارية للجيش، أوضحت المصادر، أن هناك عدة إدارات تنظيمية، منها إدارة التسليح التي استهدفها تفجير قبل أيام في منطقة باب شرقي على الأطراف الشرقية للعاصمة دمشق، إضافة إلى إدارة الصواريخ والمدفعية وشؤون الضباط والاستطلاع. وتابعت: هذه الإدارات منها ما تشكّل وأخرى في طور التشكيل والتأسيس. وبرأي هذه المصادر “تعكس مشاركة الجيش في مناورات في تركيا عمق العلاقات بين البلدين، فالهدف من المشاركة تعزيز قدرات وخبرات الجيش السوري في القتال ضمن ظروف مختلفة ومن خلال التكامل بين مختلف الوحدات. المشاركة السورية رسالة تركية للعالم أنها تدعم الجيش السوري الناشئ”.
ويواجه الجيش السوري تحديات كبرى، فهو حتى اللحظة بلا منظومة دفاع جوي، فإسرائيل أخرجت سلاح الجو من الخدمة، حين دمّرت، عقب سقوط نظام الأسد، ما تبقّى من أسراب الطائرات المقاتلة والقاذفات في مطارات عسكرية سورية عدة، وألحقت أضراراً جسيمة بمنظومة الدفاع الجوي، وفق اعتراف الجيش الإسرائيلي الذي أكد تدميره أكثر من 90% من صواريخ أرض ـ جو الاستراتيجية. ونفى مصدر في وزارة الدفاع السورية منتصف شهر مايو/أيار الأنباء عن تحليق طائرتين حربيتين سوريتين للمرة الأولى منذ 8 ديسمبر 2024، مؤكداً لوسائل إعلام محلية عدم جهوزية سلاح الجو.
لا خيارات كثيرة لتسليح الجيش
ولا تملك وزارة الدفاع السورية الكثير من الخيارات لجهة تسليح الجيش، في ظل ما يبدو أنها خطوط حمراء من الجانب الإسرائيلي، وخاصة ما يتعلق بسلاح الجو ومنظومات الدفاع الجوي. وربما ستجد الوزارة نفسها مضطرة للاستعانة بالجانب الروسي، الذي ظل المصدر شبه الوحيد لسلاح الجيش السوري منذ خمسينيات القرن الماضي، لذا كثرت في الآونة الأخيرة زيارات المسؤولين العسكريين السوريين الى موسكو. وحصل الجيش السوري على مساعدات عربية وتركية اقتصرت على عربات وناقلات جند ومسيّرات، فضلاً عن التدريب. لكن التحديات التي تواجه سورية تتطلب الحصول على أسلحة أكثر تطوراً، من مختلف الصنوف، وهو ما يتطلب أيضاً ميزانية ضخمة، سواء لشراء الأسلحة من مصادر عدة، أو للبحث والتصنيع، وفق الإمكانيات المتاحة، إذ كانت الفصائل المعارضة للنظام السابق، وفي مقدمتها “هيئة تحرير الشام” قد باشرت بالفعل في “تصنيع” أو تعديل بعض الأسلحة والمعدات العسكرية، بما فيها الطائرات المسيّرة.
ويعد السلاح “جزءاً من العقيدة القتالية للجيش”، وفق الباحث المواكب للملف العسكري في سورية وائل علوان، الذي أشار في حديث مع “العربي الجديد”، إلى أن تسليح الجيش السوري “أمر معقد”. وقال إنه “في ظل تعثّر التفاوض مع إسرائيل المحكومة اليوم بعقلية يمينية متطرفة، فلا غنى لسورية عن جيش قادر على الدفاع عنها”، مضيفاً: عدا إسرائيل هناك أعداء كثر لسورية. وبرأيه فإن “مسائل التسليح والعقيدة القتالية والتنظيم، بغاية الأهمية رغم التعقيدات والضغوط والتحديات التي تواجهها سورية اليوم”، مضيفاً: إعادة تأهيل وإصلاح ما نمتلك من أسلحة غير كافية. نحن بحاجة إلى تمتين وتعزيز العلاقات مع العمق العربي ومع الجانب التركي ومع دول الاتحاد الأوروبي من أجل إيجاد حالة من الاستقرار في سورية.








