يرى كثير من اللبنانيين أن الخطاب الذي يقدّمه حزب الله حول قدرته على ردع إسرائيل يقوم، إلى حدّ كبير، على المبالغة السياسية والدعاية التعبوية أكثر مما يقوم على توازن حقيقي للقوة. فمنذ سنوات طويلة، يرفع الحزب شعارات مثل “الردع الاستراتيجي” و”حماية لبنان”، ويقدّم نفسه باعتباره القوة الوحيدة القادرة على مواجهة إسرائيل، لكن الوقائع الميدانية والسياسية كثيراً ما أظهرت فجوة واسعة بين الخطاب والنتائج الفعلية.
بعد حرب تموز 2006، حاول الحزب تصوير ما جرى على أنه “انتصار إلهي”، رغم أن لبنان تكبّد دماراً هائلاً في البنية التحتية والاقتصاد، وسقط آلاف الضحايا والمهجّرين. صحيح أن الحزب نجح في الصمود عسكرياً لفترة معينة، إلا أن النتيجة النهائية تركت الدولة اللبنانية أضعف وأكثر عزلة، فيما بقي القرار العسكري خارج مؤسسات الدولة. ومع مرور الوقت، تحوّل مفهوم “المقاومة” لدى الحزب من مشروع مرتبط بمواجهة إسرائيل إلى مشروع نفوذ داخلي وإقليمي مرتبط بحسابات أكبر من لبنان نفسه.
اللافت أن الحزب استمر في تقديم وعود متكررة حول امتلاكه قدرات قادرة على تغيير موازين القوى مع إسرائيل، سواء عبر الصواريخ الدقيقة أو المعادلات الردعية أو التهديدات الإعلامية المتواصلة. لكن كل مواجهة محدودة كانت تُظهر أن إسرائيل لا تزال تمتلك تفوقاً عسكرياً واستخباراتياً هائلاً، وقادرة على تنفيذ عمليات دقيقة داخل لبنان وخارجه دون أن تواجه رداً يوازي حجم تلك الضربات. وفي كثير من الأحيان، كان الحزب يلجأ إلى خطاب إعلامي مرتفع السقف لتعويض العجز عن فرض معادلة حقيقية على الأرض.
مع ذلك، يبقى السؤال الأهم: لماذا يصدّق جزء كبير من البيئة الشيعية هذا الخطاب رغم التناقضات الواضحة؟ الجواب لا يرتبط فقط بالقناعة العسكرية، بل بعوامل اجتماعية وسياسية ونفسية متشابكة. فالحزب نجح على مدى عقود في بناء حالة شعورية لدى جمهوره تقوم على فكرة “الحصار” و”الاستهداف”، مقدّماً نفسه كحامٍ للطائفة الشيعية في منطقة مضطربة. هذا الشعور بالخوف الجماعي جعل كثيرين يرون في الحزب ضمانة وجودية، حتى لو كانوا يدركون حجم الأزمات التي ساهم بها.
إضافة إلى ذلك، استطاع الحزب إنشاء شبكة واسعة من الخدمات الاجتماعية والاقتصادية والتعليمية، ما خلق علاقة تبعية بينه وبين جزء من جمهوره. ففي ظل غياب الدولة اللبنانية وضعف مؤسساتها، أصبح الحزب بالنسبة لكثير من العائلات مصدراً للطبابة والتعليم والمساعدات وفرص العمل. وبالتالي، لم يعد الانتماء إليه قائماً فقط على الاقتناع السياسي، بل أيضاً على الحاجة الاقتصادية والانتماء الاجتماعي.
كما لعب الإعلام الحزبي دوراً أساسياً في تكريس صورة “القوة التي لا تُهزم”. فالقنوات والمنصات التابعة للحزب تعتمد خطاباً عاطفياً يركّز على البطولة والتضحيات والرموز الدينية، ما يخلق حالة تعبئة مستمرة داخل البيئة المؤيدة له. وفي المقابل، يتم التقليل من حجم الخسائر أو تجاهل الأسئلة المتعلقة بجدوى المواجهات العسكرية وتأثيرها على لبنان ككل.
ولا يمكن تجاهل البعد الديني والعقائدي في هذه المسألة. فالحزب يربط مشروعه السياسي بخطاب ديني يمنح قيادته نوعاً من الشرعية المعنوية، ما يجعل انتقاد الحزب بالنسبة لبعض المؤيدين يبدو وكأنه استهداف للطائفة أو للمقدسات. هذا الخلط بين السياسي والديني ساهم في تقوية الالتفاف الشعبي حوله، حتى عندما تتراكم الأزمات الاقتصادية والمعيشية.
لكن في السنوات الأخيرة، بدأت تظهر تصدعات داخل البيئة الشيعية نفسها. فالأزمة الاقتصادية الخانقة في لبنان، والانهيار المالي، وتراجع مستوى المعيشة، دفعت كثيرين إلى التساؤل عن جدوى استمرار منطق المواجهة المفتوحة. هناك فئة متزايدة من اللبنانيين الشيعة باتت ترى أن السلاح لم يعد يحمي لبنان بقدر ما يعرّضه لمزيد من العزلة والانهيار، وأن الحزب لم ينجح في بناء دولة قوية بقدر ما عزّز منطق الدويلة.
ورغم ذلك، لا يزال الحزب قادراً على الحفاظ على قاعدة شعبية واسعة، مستفيداً من الانقسام الطائفي اللبناني ومن غياب مشروع وطني جامع يطمئن جميع المكونات. فحين يشعر الناس بالخوف وعدم الاستقرار، يميلون غالباً إلى التمسك بالقوى التي تمنحهم شعوراً بالأمان، حتى لو كانت تلك القوى جزءاً من المشكلة نفسها.
في النهاية، تبدو أزمة حزب الله أعمق من مجرد وعود عسكرية غير واقعية. إنها أزمة نظام سياسي كامل قائم على الخوف والطائفية والدعاية المتبادلة. وبينما يستمر الحزب في تقديم نفسه كقوة قادرة على مواجهة إسرائيل، يبقى لبنان غارقاً في أزماته، فيما يدفع المواطن العادي ثمن الصراعات والشعارات التي لم تنجح حتى اليوم في بناء دولة مستقرة وقادرة على حماية جميع أبنائها.








