ساعات ثقيلة عاشها اللبنانيون بعد تهديد الاحتلال بقصف الضاحية الجنوبية لبيروت ثم إنذارها وإخلائها، في تصعيد يعد الأول منذ 16 إبريل/نيسان الماضي، تاريخ دخول وقف إطلاق النار بين لبنان وإسرائيل حيز التنفيذ (ولم يُطبَّق إلا جزئياً في ضاحية بيروت)، وانتهت بإعلان عن وقف إطلاق نار ضبابي. ما نتج عن هذا اليوم يمكن تلخيصه بأنه خفض تصعيد مؤقت قابل للبناء عليه لكنه في الوقت نفسه قد ينقلب إلى حرب أكثر عدوانية وشراسة في أي لحظة. وقد تكون المرحلة الراهنة أقرب إلى تمرير وقت والتقاط أنفاس بانتظار اتضاح حدود التفاهمات مع إيران وما اذا كانت ستشمل مذكرة تفاهم يلحقها وقف للنار يشمل لبنان.
يمكن التوقف عند عدة ملاحظات بناء على وقائع يوم الاثنين:
أولاً: من المؤكد حتى الآن أنه تمت العودة إلى معادلة تحييد بيروت والضاحية الجنوبية عن قائمة العدوان الإسرائيلي مقابل وقف حزب الله عملياته داخل الأراضي الفلسطينية المحتلة، لكن القلق من غدر سيبقى قائماً بفعل انتهاك الاحتلال سابقاً تفاهمات مماثلة. وهو ما يفسر التريث الذي حال دون عودة النازحين أمس إلى منازلهم في الضاحية رغم الإعلان عن وقف النار بعدما قضوا ساعات على الطرقات للخروج من الضاحية عقب تهديدها وإنذارها.
ثانياً: حتى اللحظة لا يوجد ما يوحي بوقف إطلاق نار شامل. الميدان يؤكد ذلك، سواء من خلال غارات الاحتلال في الجنوب والبقاع أو عمليات حزب الله، وسيتضح خلال اليوم ما إذا كان الحزب سينفذ أي عمليات داخل الأراضي المحتلة.
كما أن ما كتبه الرئيس الأميركي دونالد ترامب على منصته تروث سوشال لإعلان وقف النار كان غامضاً ومليئاً بالتناقضات. وزادته تشكيكاً التصريحات التي صدرت عن رئيس وزراء الاحتلال بنيامين نتنياهو لجهة تأكيده مواصلة جيش الاحتلال عملياته في جنوب لبنان. كما لم تستطع السلطات اللبنانية تقديم رواية متماسكة حول ما تم الاتفاق عليه، حتى إنه كان يمكن التوقف عند اختلاف في البيان الصادر باللغتين العربية والإنكليزية عن السفارة اللبنانية في واشنطن والذي نشرته صفحة رئاسة الجمهورية على إكس وجاء فيه بالعربية أنه “بموجب الترتيب المقترح، تتوقف الضربات الإسرائيلية على الضاحية الجنوبية لبيروت مقابل امتناع الحزب عن تنفيذ هجمات ضد إسرائيل، على أن يتم توسيع إطار وقف إطلاق النار ليشمل كامل الأراضي اللبنانية”. أما النسخة الإنكليزية الموجودة على حساب السفارة اللبنانية على إنستغرام فجاء فيها أنه “بموجب الترتيب المقترح، إسرائيل لن تشن هجوماً واسعاً على بيروت في مقابل امتناع حزب الله عن سن هجمات على إسرائيل…”.، وهو ما يفتح الباب أمام تفسيرات أميركية وإسرائيلية عدة للنص.
كما أن حزب الله دعا عبر نائبه حسن فضل الله للتريث، مشدداً في تصريحات مساء الاثنين على أن “موقف الحزب يتمثل بوقف إطلاق نار شامل مقدمةً لانسحاب العدو، وأنه “لا عودة لما قبل 2 آذار”، أي الاستهداف الإسرائيلي من دون رد.
ثالثاً: يصعب تصديق أن قرار نتنياهو العودة إلى ضرب الضاحية الجنوبية لبيروت لم يكن يحظى بموافقة البيت الأبيض. لكن أصبح واضحاً أن حسابات ترامب كانت خاطئة خصوصاً بعد الدخول الإيراني على الخط، وهو ما دفعه للتدخل وكبح نتنياهو. ويجب عدم الغرق كثيراً في تسريبات أكسيوس عن الشتائم التي وجهها ترامب لنتنياهو، إذ إنه لا يوفر حليفاً ولا عدواً من هذه الشتائم في اللحظة التي يرى فيها أن مصالحه مهددة.
رابعاً: بعيداً عن رغبات رئيسي الجمهورية اللبناني جوزاف عون والحكومة نواف سلام في فصل مسار المفاوضات اللبنانية الإسرائيلية عن المفاوضات مع إيران، فإن هذا الأمر واقعياً غير قابل للتحقق أقله في المدى المنظور.
خامساً: أكدت مجريات يوم أمس أهمية التنسيق مع رئيس مجلس النواب نبيه بري، لا بوصفه حليفاً فقط لحزب الله وقادراً على التواصل معه، بل وعند الضرورة الدفع نحو تسويات محددة، عبر قنوات اتصال خارجية بما في ذلك أميركية تتجاوز عون وسلام.
عقب تسريبات موقع أكسيوس عن اتصالات جرت مع رئيس الجمهورية أولاً من وزير الخارجية الأميركية ماركو روبيو وطرح وقف حزب الله هجماته على إسرائيل مقابل امتناع الاحتلال عن التصعيد في بيروت وتواصل عون مع بري لدفع حزب الله لقبول هذه الصيغة، ورفض هذا الطرح والتشديد على ضرورة وقف النار، انطلقت بحسب ما يتضح مباحثات أخرى، نقل وقائعها موقع أكسيوس أيضاً بما في ذلك نقله عن أحد معاوني بري بأن الأخير أبلغ إدارة ترامب أن حزب الله سيكون مستعداً للالتزام بوقف إطلاق نار شامل مقابل التزام إسرائيل به وتوقفها عن سياسة هدم المنازل مقابل رفض المقترح الجزئي بوقف الحزب هجماته مقابل عدم مهاجمة الاحتلال للضاحية وبيروت. وفيما نقل الموقع تشكك مسؤولين أميركيين وحتى إسرائيل في ضمان بري التزام حزب الله، حرص رئيس مجلس النواب على أن يكون التعهد علنياً عبر حديثه لشبكة “أن بي أن” التابعة له التي نقلت عنه مساء الأحد قوله “أضمن التزاماً كاملاً وشاملاً وفورياً بوقف إطلاق النار من المقاومة لكن السؤال: من يلزم إسرائيل وقف عدوانها براً وبحراً وجواً وهدمها للقرى والمنازل؟ في رسالة واضحة على أنه يضمن حزب الله.
سادساً: جاء التدخل الإيراني هذه المرة مغايراً. عملياً غادر المسؤولون الإيرانيون مربع الثرثرة الكلامية وهددوا بوقف المحادثات الأميركية الإيرانية. كما شمل هذه المرة تهديداً باستهداف المستوطنات الإسرائيلية على الحدود مع لبنان، إلى جانب التلويح بفتح جبهات جديدة وتحديداً في باب المندب عبر الحوثيين ربما. والأهم أنه جاء ليس فقط في لحظة تصعيد العدوان الإسرائيلي بل في لحظة غليان غير مسبوقة يمكن رصدها داخل “البيئة الشيعية” في لبنان التي تجاهر بانتقاداتها لطهران بأنها تكتفي بمشاهدة حرب الإبادة في جنوب لبنان والتي خاضها حزب الله كرمى لإيران.
سابعاً: أدت دول عربية عدة، في مقدمتها قطر، أدواراً عدة على خط الضغط لكبح عدوان الاحتلال. أمكن ملاحظة ذلك منذ نهاية الأسبوع الماضي في وتيرة الاتصالات والبيانات التي كانت تتطرق إلى لبنان وتطالب بوقف العدوان من قطر والسعودية ومصر. ويمكن التوقف عند الاتصال الذي جرى أمس بين رئيس مجلس الوزراء وزير الخارجية القطري الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني ووزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي عقب وقت قصير من إعلان وقف إطلاق النار في لبنان والذي سبقته تسريبات عن الدور المحوري الذي أدته الدوحة على خط الوساطة.








