تحرّكت منتصف الأسبوع المنصرم المياه الراكدة في مستنقع الملفات المالية الشائكة. كتابٌ رسميّ عاجل وجهه وزير العدل عادل نصار إلى النيابة العامة التمييزية، طالب فيه بفتح تحقيق موسّع وشامل في ملف الشركات والمؤسسات المالية التي تعمل على الأراضي اللبنانية خلافًا للقوانين المرعية الإجراء، أو تتجاوز التراخيص الممنوحة لها من قبل الجهات الرسمية، أو تلك التي تفتح أبوابها وتمارس أنشطة مصرفية من دون الاستحصال على تراخيص أصلًا.

الكتاب يحدد الهدف: “القرض الحسن”

لم يكن خافيًا على أحد أن السطور الصريحة للكتاب حصرت التصويب، بالاسم والدلالة، في اتجاه واحد رئيسي: “مؤسسة القرض الحسن”، التي تُعتبر الذراع المالية والاجتماعية لـ”حزب الله”، والتي تحوّلت على مرّ السنين الماضية إلى مادة دسمة للاستعصاء السياسي، والضغط الدولي، والجدل القانوني الداخلي.

تحرك بلا مواربة

لم يبقَ هذا التحرك الرسمي من قمة الهرم في وزارة العدل معزولًا عن الكواليس القضائية والسياسية الناشطة. ووفقًا لما كشفه مصدر قضائي، فإن الملف وُضع على طاولات البحث، مسبوقًا بزيارة لافتة في الشكل والمضمون. إذ زار وفد كتلة “الوفاء للمقاومة” النائب العام التمييزي، القاضي أحمد رامي الحاج، في مكتبه قبل أسابيع قليلة.

الزيارة التي أدرجت بدايةً في إطار بروتوكولي لـ”التهنئة” بمهامه الجديدة، سرعان ما انزاحت قشرتها الدبلوماسية لتغوص عميقًا في لبّ الأزمة الحالية: ملف مؤسسة “القرض الحسن” ومستقبل عملها في ظل الرقابة الداخلية والخارجية المشددة.

أمام الوفد، كان النائب العام التمييزي حاسمًا جازمًا. كما أكد المصدر أن القاضي الحاج أبلغ ممثلي الحزب بمعادلة قانونية واضحة لا تقبل التأويل: إن القضاء اللبناني لن يقف مكتوف الأيدي أمام أي مخالفة صريحة لقانون النقد والتسليف، أو للموجبات الضيقة لشهادة “العلم والخبر” التي تعمل بموجبها المؤسسة كجمعية خيرية واجتماعية لدى وزارة الداخلية. كما شدد الحاج على أن أي تجاوز لهذه الأطر، أو خروج عن القوانين النافذة، سيدفع بالنيابة العامة للتحرك.

الحزب: تراجع تكتيكي

الحزم القضائي قابلته مرونة سياسية – تنفيذية لافتة من جانب الحزب، تعكس استشعارًا عميقًا لخطورة اللحظة المالية الحالية. أبلغ الوفد النائب العام التمييزي بسلسلة “إجراءات تراجعية” وتعديلات جذرية أُدخلت على بنية وآلية عمل “القرض الحسن” مؤخرًا، لإعادة ضبطها حرفيًا تحت سقف “العلم والخبر”.

في هذا السياق، كشف الوفد عن تجميد ووقف العمل بآلات الصراف الآلي (ATM) التي كانت المؤسسة قد نشرتها في عدة مناطق، معتبرين أن هذه الخطوة تُنهي المظهر “المصرفي التجاري” الذي أثار حفيظة القطاع المالي الرسمي.

أبعد من ذلك، أعلن الوفد عن قرار مفصلي يتمثل في وقف الإقراض مقابل رهن الذهب، وهو النشاط المالي الأضخم الذي كان يمنح المؤسسة طابعًا مصرفيًا موازيًا، والاكتفاء حصرًا بالإقراض النقدي المباشر من دون أي فائدة أو عمولات تحايلية.

وفق التفسير القانوني الذي قدّمه الوفد، فإن هذا النشاط المجرد من المنافع المالية يعتبر في روح القانون عملاً خيريًا تضامنيًا، ما لم يجرّ وراءه أي منفعة مالية أو ربحية للمؤسسة. وبالتالي يخرجه من دائرة التجريم التي يفرضها قانون النقد والتسليف على الأنشطة المصرفية غير المرخصة.

لم تقف هذه “الهندسة القانونية الجديدة” لعمل القرض الحسن عند حدود الممارسات الميدانية، بل امتدت لتطال معضلة “الشفافية المفقودة” التي طالما شكلت ثغرة قاتلة في دفاعات الجمعية. وتعهد الوفد بأن تقدم المؤسسة تقريرًا دوريًا ودائمًا إلى الجهات المختصة، يتناول بشكل مفصل مصادر تمويلها وحجم تدفقاتها النقدية، لتفنيد الاتهامات المتعلقة بتبييض الأموال أو التدفقات غير المشروعة.

الهبوط الآمن؟

لم تكن الساحة القضائية وحدها مسرحًا لهذه الصيانة الوقائية التي يجريها الحزب لملفه المالي. إذ كشف مصدر مطلع أن قيادة الحزب ناقشت هذه الترتيبات والتعديلات بالتفصيل وفي جلسات مغلقة مع حاكم مصرف لبنان كريم سعيد.

يهدف هذا التنسيق المباشر مع الحاكمية بالدرجة الأولى إلى حماية الدولة اللبنانية ومؤسساتها الرسمية، وبالموازاة حماية البنية التحتية للمؤسسة نفسها، من مقصلة الضغوط الأميركية والعقوبات الدولية الصارمة.

يسعى الحزب من خلال هذا “الإنزال الآمن” إلى سحب الذرائع المالية والقانونية التي قد تستخدمها الخزانة الأميركية لتشديد الخناق على مصرف لبنان والقطاع المصرفي اللبناني المتهالك أصلًا، عبر إثبات أن الأنشطة الراهنة لـ”القرض الحسن” لا تشكل نظامًا مصرفيًا أسود يهدد الشرعية المالية للدولة.

في المحصلة، يظهر المشهد كنوع من “الهدنة الموضعية” المحكومة بالحاجة المتبادلة. الحزب ينحني أمام العاصفة المالية والقانونية عبر تقليم أظافر “القرض الحسن” التجارية وتحجيم مظاهرها المصرفية الفاقعة، والقضاء اللبناني يثبّت مرجعية القانون من دون الصدام الشامل الذي قد يفجر الاستقرار الهش، فيما يقف مصرف لبنان مراقبًا ومستفيدًا من ضبط السيولة خارج القنوات الرسمية.

لكن السؤال يبقى: هل تكفي التبرعات و”النيات الخيرية” المعلنة لإقناع مراقبي الخزانة الأميركية، أم أن الرصاصة القانونية التي أطلقها وزير العدل أحدثت خرقًا لن تجدي معه عمليات الترميم الموضعية؟

الأيام المقبلة وتقارير التمويل الموعودة كفيلة بالإجابة.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *