بعد أشهر على اندلاع الحرب مع إيران، تبدو الجبهة الكردية التي أرادت إسرائيل فتحها في شمال غرب البلاد مثالاً واضحاً على فشل استخباري وسياسي إسرائيلي مركب. فالخطة التي صممت لتطويق طهران انهارت سريعاً، لا لأن إيران حسمت المعركة ميدانياً، بل لأن إسرائيل بنت تقديرها على فرضيات خاطئة، فصائل كردية أضعف مما زعمت، تحالف هش، حسابات كردية معاكسة، رفض تركي ضمني، وقدرة إيرانية مبكرة على الردع والإجهاض.

تحالف شكلي بلا قيادة موحدة

أول أسباب الفشل كان سوء تقدير إسرائيل لحجم وقدرة الفصائل الكردية الإيرانية. فقد تعاملت تل أبيب مع هذه الجماعات كما لو أنها قوة منظمة قادرة على فتح جبهة داخل إيران، بينما كانت في الواقع محدودة العدد، خفيفة التسليح، وتعتمد أساساً على فكرة التحريض لا السيطرة. كان الدور المفترض لهذه الفصائل أن تعبر الحدود من العراق، وتعلن بدء التمرد، على أمل أن يتحول تحركها المحدود إلى انتفاضة أوسع داخل إيران. غير أن هذا التصور كشف خللاً في الحسابات والاستخبارات الإسرائيلية.

السبب الثاني تمثل في هشاشة التحالف الكردي الإيراني نفسه. صحيح أن عدة فصائل أعلنت، قبيل الحرب، تشكيل ائتلاف سياسي ضد طهران، لكن هذا الإعلان لم يكن دليلاً على وحدة عسكرية أو ثقة متبادلة. فبين الحزب الديمقراطي الكردستاني الإيراني، وكومله، وحزب حرية كردستان، وحزب الحياة الحرة الكردستاني، ومنظمة خبات، توجد خلافات فكرية وتنظيمية وتاريخية عميقة. بعض هذه القوى قومي، وبعضها يساري، وبعضها قريب من بيئة حزب العمال الكردستاني. لذلك، حين احتاجت الخطة إلى تنسيق سريع وسري، ظهرت الفجوات. لقد قرأت إسرائيل البيان السياسي لتشكيل الائتلاف بوصفه جاهزية عسكرية، وهذه كانت إحدى أخطر ثغرات الفشل.

خطأ قراءة أربيل والسليمانية

الفشل الأبرز كان في افتراض أن الحزبين الكرديين العراقيين، الديمقراطي الكردستاني والاتحاد الوطني، سيقبلان تحويل إقليم كردستان العراق إلى منصة حرب ضد إيران. بالنسبة إلى إسرائيل، بدا الإقليم عمقاً لوجستياً مناسباً. أما بالنسبة إلى أربيل والسليمانية، فكان الأمر تهديداً مباشراً للبقاء السياسي والأمني. فالإقليم يعرف جيداً كلفة الصدام مع طهران، ويدرك أن إيران لن تفصل بين الفصائل الكردية الإيرانية وبين الأرض التي تتحرك منها. لذلك، عندما لوحت طهران بتحميل القيادات الكردية العراقية المسؤولية عن أي هجوم، تراجعت الحسابات بسرعة. لم يكن الحزبان مستعدين لدفع ثمن خطة ليست خطتهما.

أخطأت إسرائيل أيضا في تقدير موقف تركيا. فأي مشروع لتسليح أو تحريك جماعات كردية عابرة للحدود يثير حساسية أنقرة فوراً. تركيا لا تنظر إلى المسألة الكردية من زاوية الخصومة مع طهران، بل من زاوية أمنها الداخلي ونفوذها في شمال العراق وسوريا. لذلك كان من الطبيعي أن تتحرك أنقرة لاحتواء الفكرة والضغط على واشنطن كي لا تمضي في مسار قد يفتح باباً كردياً جديداً يصعب إغلاقه. تجاهل هذا العامل كشف ضيق الرؤية الإسرائيلية، إذ لا يمكن فتح جبهة كردية من دون المرور بالحساب التركي.

انكشاف الخطة وردع إيران المبكر

السبب الخامس كان غياب عنصر المفاجأة. كما افتقرت الخطة الإسرائيلية إلى عنصر السرية، إذ بدت التحضيرات الكردية مكشوفة للايرانيين إلى حد كبير. فقد شملت اتصالات سياسية معلنة بين الأكراد والإسرائيليين، وشراء اليات نقل بصورة لافتة من كردستان العراق، وتصريحات إعلامية متكررة، إضافة إلى ظهور قادة من الفصائل الكردية الإيرانية وهم يطلبون الدعم من إسرائيل، ويقدمون مقاتليهم بوصفهم قوة برية جاهزة للتحرك ضد إيران. 

بالنسبة إلى طهران، كان ذلك إنذاراً مبكراً. لم تنتظر إيران بدء الهجوم، بل استخدمت التهديد والضغط الأمني والرسائل المباشرة لإجهاض الجبهة قبل ولادتها، ورفعت كلفة ردها على التحرك إلى مستوىً لا يستطيع الأكراد العراقيون أو الإيرانيون تحمله.

في النهاية، لم تفشل إسرائيل لأنها عجزت عن إيجاد وكلاء محليين، بل لأنها بالغت في تقدير ما يستطيع هؤلاء الوكلاء فعله. بنت خطتها على جماعات منقسمة، وشركاء خائفين، وبيئة إقليمية معقدة، وخصم يعرف كيف يضرب سياسيا قبل أن يضرب عسكرياً. أرادت تل أبيب فتح جبهة شمالية ضد إيران، لكنها كشفت بدلا من ذلك حدود ضعف استخباراتها، وحلفائها الذين لا يملكون القوة، وشركاء لها لا يريدون المغامرة، والأهم خصم كان مستعداً قبل أن تبدأ المعركة.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *