عادت شحنات النفط من الخليج للتحسن بشكل واضح خلال سبتمبر، وارتفعت حركة الناقلات عبر مضيق هرمز إلى أفضل مستوياتها منذ اندلاع الحرب مع إيران في فبراير، لكن أسعار النفط لم تعد إلى مستويات ما قبل الأزمة.
فبرنت ظل يحوم قرب 100 دولار للبرميل مع بداية أكتوبر، في مفارقة تبدو للوهلة الأولى غريبة: إذا كانت الصادرات تتحسن، فلماذا لا تتراجع الأسعار بوتيرة أسرع؟
الإجابة تكمن في أن سوق النفط لا يسعّر فقط عدد البراميل التي تصل اليوم، بل أيضاً احتمال فقدانها غداً، إلى جانب المخزونات العالمية، وحالة المصافي، وتكاليف الشحن والتأمين، ونقص المنتجات المكررة مثل الديزل ووقود الطائرات.
صادرات الخليج تتعافى لكن الفجوة لم تُغلق بالكامل
بلغت صادرات النفط الخام من الشرق الأوسط نحو 16.328 مليون برميل يومياً في سبتمبر، وهو أعلى مستوى منذ بدء الحرب في فبراير، بحسب بيانات Kpler.
لكن الرقم لا يزال أقل بنحو 3.2 ملايين برميل يومياً من مستوى ما قبل الحرب البالغ 19.513 مليون برميل يومياً.
وكانت السعودية من أبرز أسباب هذا التحسن، إذ قفزت صادراتها من نحو 2.446 مليون برميل يومياً في أغسطس إلى حوالى 5.4 ملايين برميل يومياً في سبتمبر.
أما التدفقات عبر مضيق هرمز نفسه، فبلغت نحو 9.719 ملايين برميل يومياً خلال سبتمبر، مع عودة تدريجية لحركة الناقلات العملاقة عبر الممر البحري.
إذاً لماذا لا ينهار سعر النفط؟
1. السوق ما زال يدفع ثمن الخوف
حتى مع تحسن الصادرات، لا يزال المتعاملون يتعاملون مع هرمز باعتباره نقطة خطر مرتفعة.
المشكلة ليست فقط في كمية النفط التي تمر حالياً، بل في احتمال توقف هذه التدفقات مجدداً بفعل هجوم أو إغلاق جزئي أو تعطل جديد في منشآت الطاقة.
ولهذا تبقى ما تُعرف بـ”علاوة المخاطر الجيوسياسية” جزءاً من السعر، خصوصاً مع استمرار التوتر بين واشنطن وطهران وعدم التوصل حتى الآن إلى تسوية مستقرة.
2. الخام يتعافى أسرع من الوقود
أحد أهم أسباب بقاء الأسعار مرتفعة هو أن أزمة الطاقة الحالية لم تعد أزمة نفط خام فقط.
فالقدرة التكريرية العالمية تضررت بشدة خلال الأشهر الماضية، وبلغ تشغيل المصافي عالمياً في أغسطس نحو 81.4 مليون برميل يومياً، أقل بـ4.2 ملايين برميل يومياً مقارنة بالعام السابق.
هذا يعني أن وجود الخام لا يضمن بالضرورة وجود كمية كافية من الديزل أو وقود الطائرات أو البنزين.
ولهذا بقيت هوامش تكرير الديزل عند مستويات مرتفعة جداً، ما جعل المنتجات المكررة أحد أبرز نقاط الضغط في سوق الطاقة العالمية.
3. الصين أضافت ضغطاً جديداً في أكتوبر
وفي تطور جديد يزيد المشكلة تعقيداً، علقت شركات تكرير صينية صادرات الوقود إلى معظم الأسواق الخارجية خلال أكتوبر، في خطوة تهدف إلى حماية المخزون المحلي.
وشملت القيود شحنات البنزين والديزل ووقود الطائرات، ما أدى إلى ارتفاع هوامش تكرير الديزل في آسيا مجدداً.
ويعني ذلك أن السوق فقد جزءاً إضافياً من المنتجات المكررة في وقت لا تزال فيه إمدادات الوقود من الشرق الأوسط وروسيا تحت ضغط.
وهذا العامل ساهم في دفع أسعار النفط صعوداً بنحو 2% في تداولات 1 أكتوبر، مع تجاوز برنت مجدداً حاجز 100 دولار.
4. المخزونات العالمية فقدت أكثر من نصف مليار برميل
المشكلة الأخرى تكمن في أن العالم استخدم جزءاً كبيراً من مخزوناته خلال الأشهر الماضية لتعويض نقص الإمدادات.
وتظهر بيانات وكالة الطاقة الدولية أن المخزونات النفطية العالمية المرصودة تراجعت بنحو 507 ملايين برميل منذ فبراير، أي بمتوسط 2.8 مليون برميل يومياً.
وفي أغسطس وحده، انخفضت المخزونات بنحو 95 مليون برميل.
لذلك فإن عودة بعض الصادرات لا تعني أن السوق عاد فوراً إلى التوازن، لأن جزءاً من الإمدادات الجديدة سيذهب إلى إعادة بناء المخزونات بدلاً من الوصول مباشرة إلى المستهلك النهائي.
5. أميركا تواجه بدورها أزمة ديزل
في الولايات المتحدة، بقيت مخزونات نواتج التقطير تحت الضغط، وبلغت في الأسبوع المنتهي في 25 سبتمبر نحو 105.18 ملايين برميل، منخفضة عن الأسبوع السابق.
وفي الوقت نفسه، اقترب متوسط سعر الديزل الأميركي من مستويات قياسية، بعدما بلغ نحو 6.53 دولارات للغالون خلال سبتمبر.
وهذا يوضح أن المشكلة لا تتعلق بسعر برميل النفط وحده، بل بقدرة المصافي على إنتاج الوقود وبحجم المخزون المتاح.
6. المسارات البديلة ساعدت لكنها لم تحل المشكلة
استعادت السعودية جزءاً من صادراتها عبر خط أنابيب شرق–غرب وميناء ينبع على البحر الأحمر، كما استخدمت شركات خليجية عمليات نقل من سفينة إلى أخرى خارج هرمز لتقليل المخاطر.
لكن تلك البدائل تظل أكثر تعقيداً وكلفة من التدفقات الطبيعية، كما أن أسعار الشحن ارتفعت بشدة بسبب ارتفاع مخاطر التأمين وتأخر الناقلات.
وفي بعض الحالات، درست أرامكو تقديم خصومات على خامات يتم تحميلها عبر عمليات نقل من سفينة إلى أخرى قرب عُمان لتعويض المشترين عن ارتفاع تكاليف الشحن.
7. الأرقام نفسها لا تكشف كل الشحنات
هناك عامل آخر يجعل قراءة سوق النفط أكثر صعوبة، وهو أن جزءاً من الناقلات يعبر المنطقة مع أجهزة تتبع محدودة أو متوقفة.
وهذا يعني أن البيانات المبنية على أنظمة AIS لا تسجل بالضرورة كل الشحنات الفعلية.
ولهذا تشير بعض التقديرات، ومن بينها تقديرات نقلتها رويترز عن Goldman Sachs، إلى أن صادرات الخليج الفعلية ربما عادت في أواخر سبتمبر إلى مستويات قريبة من متوسط 2025 عند احتساب التدفقات الأقل وضوحاً.
8. برنت قد يتراجع لكن السوق لم يعد طبيعياً بعد
تشير توقعات محللين شملهم استطلاع لرويترز إلى متوسط سعر لخام برنت يبلغ 89.05 دولاراً للبرميل خلال 2026، في ارتفاع عن توقعات سابقة بسبب استمرار اضطرابات الخليج.
لكن النظرة إلى 2027 مختلفة.
فإذا استمرت عودة إنتاج الخليج وتحسنت حركة الشحن وزاد إنتاج الدول خارج أوبك+، قد ينتقل السوق من نقص في الإمدادات إلى فائض نسبي خلال العام المقبل.
الخلاصة
عودة الناقلات إلى مضيق هرمز مهمة، لكنها وحدها لا تكفي لإعادة النفط إلى مستويات ما قبل الحرب.
فالسوق ما زال يعاني من خمسة ضغوط رئيسية: مخزونات مستنزفة، قدرة تكريرية محدودة، نقص في الديزل، تكاليف شحن مرتفعة، ومخاطر سياسية وأمنية مستمرة.
ولهذا يمكن أن تتحسن صادرات الخام بينما يبقى سعر برنت قرب 100 دولار.
السؤال الذي يراقبه المتعاملون الآن لم يعد فقط “كم برميلاً يمر عبر هرمز؟”، بل “هل يمكن الاعتماد على استمرار هذه التدفقات دون انقطاع جديد؟”








