تتكثّف في قلعة الشقيف؛ المعلّقة فوق تلال الجنوب اللبناني والمُشرفة على نهر الليطاني وشمالي فلسطين، طبقات من التاريخ تجعل من السيطرة الإسرائيلية عليها حدثاً استعمارياً متجدداً. هذا الدخول البرّي الأخير الذي أعلنه جيش الاحتلال، أول من أمس الأحد، نُفّذ تحت غطاء قصف مدفعي عنيف استمرّ لأيام واستهدف محيط القلعة، ممّا دفع بلدية أرنون وجمعيات التراث للتحذير من إبادة ثقافية تستهدف محو معلم تاريخي بارز. بهذا تعود الشقيف، رغم منحها الحماية المعزّزة بموجب اتفاقية لاهاي الدولية، إلى خطّ النار؛ واحداً من الشواهد الحيّة على “حرب ترميد” – كما باتت توصف – تستهدف الجنوب اللبناني بأسره.
في الذاكرة اللبنانية والفلسطينية، ترتبط الشقيف بقوّة بمعركة يونيو/حزيران 1982 التي تحولت إلى إحدى أهمّ محطات المقاومة خلال الاجتياح الإسرائيلي للبنان. في دراسته “معركة قلعة الشقيف 1982: روايتان”، يوثّق الباحث والقيادي الفلسطيني معين الطاهر تفاصيل المواجهة التي خاضتها مجموعة صغيرة من المقاتلين في مواجهة قوة إسرائيلية تفوقها عدداً وعتاداً بأضعاف. مواجهة تجسّدت في خطة تحصين شارك فيها مئات من طلبة الجامعات وأبناء المخيمات، ويلفت الطاهر إلى تلك الحادثة الرمزية حين عثر المقاتلون أثناء حفر الخنادق على رفات لمحاربين من أبناء البلاد يُعتقد أنها ترجع إلى زمن الحروب الصليبية، فأعادوا دفنها بمراسم عسكرية.
بعد تحرير عام 2000 شهدت الشقيف معركة من نوعٍ آخر خاضها جيل جديد من الأكاديميين وطلاب الجامعة اللبنانية، الذين قادوا دراسات علمية وتاريخية لتدعيم القلعة وإعادة كتابة تاريخها في وجه محاولات الإهمال والتشويه، من خلال مبادرات عديدة لتحويل قاعات القلعة إلى متاحف وصالات عرض، ودراسة “علم أمراض المواد” لحجارتها التي قاومت حرائق الاحتلال الحديث.
في المقابل، تحتلّ الشقيف موقعاً مختلفاً تماماً في الوعي الإسرائيلي. فمنذ احتلالها عام 1982 ثم تحويلها إلى موقع عسكري متقدم لقرابة ثمانية عشر عاماً، تحولت القلعة إلى ما يشبه العقدة داخل المؤسسة العسكرية الإسرائيلية. ولعل الشاهد الأبرز على ذلك هو مشهد من فيلم وثائقي حين زار وزير الدفاع حينها أرييل شارون القلعة؛ في السابع من يونيو/ حزيران 1982، حيث ادّعى أن المعركة لم تُسفر عن إصابات، فصرخ في وجهه أحد الضبّاط: “هنا حيث تقف قُتل ستّة من رفاقي!”.
شكّلت تلك المواجهة المنعطف الذي نقل القلعة إلى عُمق الوعي الإسرائيلي، فكانت بداية حضور “بوفور” (الاسم الغربي للقلعة) في الرواية والسينما الإسرائيليّتين مرادفاً لـ”المستنقع اللبناني”، لا سيما في رواية تحمل هذا الاسم، والفيلم الذي اقتبسه عنها مخرج إسرائيلي يُدعى يوسف سيدار، وقد اعتبَر في تصريح أخير لصحيفة يديعوت أحرونوت أن العودة إلى الشقيف فشلٌ في استخلاص الدروس من تجربة الوجود العسكري الإسرائيلي السابقة. مع ذلك، تظلّ هذه الأعمال محكومة بمنظور الاحتلال نفسه؛ فهي تعمد إلى إظهار القلعة مجردةً من اسمها اللبناني، لتغدو في النهاية “قاعدة عسكرية” للجنود الإسرائيليّين، ويبكي فيه الجلّاد ضحاياه وهو يواصل إبادته.








