صعّدت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترامب ضغوطها على أوروبا للإفراج عن جزء من احتياطياتها الطارئة من الديزل، في محاولة لتهدئة الارتفاع الحاد في أسعار الوقود، محذرة فرنسا وألمانيا من أن استمرار التردد قد يدفع واشنطن إلى فرض قيود على صادرات الديزل الأميركية.
وتأتي الخطوة في وقت تشهد فيه أسواق الوقود العالمية أزمة متزايدة بفعل الحرب مع إيران، وتراجع الإمدادات من الشرق الأوسط، ووقف روسيا صادرات الديزل، إضافة إلى تعليق الصين جزءاً كبيراً من صادرات المنتجات النفطية خلال أكتوبر.
ماذا طلبت واشنطن من أوروبا؟
بحسب مصادر مطلعة، طلب البيت الأبيض من الاتحاد الأوروبي الإفراج عن نحو 120 مليون برميل من الديزل خلال ستة أشهر، وهي كمية تعادل أكثر من 40% من احتياطيات الديزل وزيت الغاز الطارئة لدى الاتحاد الأوروبي.
وتركز الضغوط الأميركية خصوصاً على ألمانيا وفرنسا، اللتين تمتلكان معاً نحو 35% من هذه الاحتياطيات.
وتحتفظ ألمانيا بنحو 5.6 ملايين طن من مخزونات الديزل، بينما تمتلك فرنسا نحو 8.2 ملايين طن، ما يجعلهما محور أي عملية سحب أوروبية واسعة النطاق.
ترامب يلوح بحظر صادرات الديزل
هددت الإدارة الأميركية بأنها قد تلجأ إلى تقييد صادرات الديزل إذا لم تتحرك أوروبا سريعاً للمساعدة في تخفيف أزمة الأسعار.
وتخشى الدول الأوروبية من هذا السيناريو بشكل خاص، بعدما أصبحت تعتمد بدرجة أكبر على واردات الوقود الأميركي منذ حظر المنتجات النفطية الروسية.
وبالنسبة لواشنطن، فإن وقف أو تقليص الصادرات قد يزيد المعروض داخل السوق الأميركية ويساعد في خفض الأسعار محلياً، لكنه قد يؤدي في المقابل إلى تفاقم أزمة الإمدادات في أوروبا.
أسعار الديزل تضغط على ترامب قبل الانتخابات
تأتي التحركات الأميركية قبل انتخابات التجديد النصفي للكونغرس في نوفمبر، في وقت أصبحت فيه تكاليف الوقود قضية سياسية حساسة داخل الولايات المتحدة.
وارتفع متوسط سعر الديزل الأميركي بنحو 70% منذ بدء الحرب مع إيران، ليصل إلى نحو 6.38 دولارات للغالون في بداية أكتوبر، وفق بيانات AAA.
وسجلت أسعار الديزل مستويات قياسية أو قريبة منها في عدد من الدول الأوروبية أيضاً، ما يجعل قرار الإفراج عن الاحتياطيات أكثر تعقيداً للطرفين.
لماذا لا تريد أوروبا استنزاف مخزوناتها؟
تفرض قواعد الاتحاد الأوروبي على الدول الأعضاء الاحتفاظ باحتياطيات طوارئ تعادل 90 يوماً من صافي الواردات النفطية أو 61 يوماً من الاستهلاك المحلي.
ورغم أن أوروبا لا تزال تستوفي هذه المتطلبات، فإن الحكومات تخشى من استخدام جزء كبير من المخزونات في وقت لا تزال فيه الحرب مستمرة ولا يمكن ضمان استقرار الإمدادات خلال الشتاء.
كما أن موسم التدفئة والحصاد يرفع عادة الطلب على الديزل، ما يزيد من حساسية القرار.
واشنطن تتوقع موافقة أوروبية
قال وزير الطاقة الأميركي كريس رايت إنه “واثق بدرجة كبيرة” من أن الدول الأوروبية ستوافق على الإفراج عن جزء من احتياطياتها.
وأضاف أن التنسيق الدولي ضروري لتخفيف أزمة الوقود، خصوصاً مع دخول فصل الشتاء وارتفاع الطلب الموسمي.
وفي المقابل، أكد مسؤولون أوروبيون أنهم يفضلون تحركاً منسقاً مع الولايات المتحدة بدلاً من خطوات منفردة قد تزيد تقلب الأسواق.
أزمة عالمية تتجاوز أوروبا وأميركا
الأزمة الحالية في سوق الديزل لا ترتبط بعامل واحد.
روسيا مددت حظر صادرات الديزل، بينما علقت الصين صادرات الوقود إلى معظم الأسواق الخارجية خلال أكتوبر، في وقت لا تزال فيه صادرات المنتجات المكررة من الشرق الأوسط أقل من مستويات ما قبل الحرب.
وأدى ذلك إلى قفزة كبيرة في أسعار الوقود العالمية، بينما تجاوز سعر الديزل في أوروبا 1500 دولار للطن في بعض التعاملات.
كما تضررت أوروبا من تراجع قدرتها التكريرية على مدى السنوات الماضية، إذ انخفضت الطاقة الإجمالية للمصافي في أوروبا والدول المجاورة من نحو 17.5 مليون برميل يومياً عام 2009 إلى نحو 14.4 مليون برميل يومياً مؤخراً.
ماذا يحدث إذا فرض ترامب الحظر؟
أي حظر أميركي على صادرات الديزل قد يخفض الأسعار داخل الولايات المتحدة على المدى القصير عبر زيادة المعروض المحلي.
لكن التداعيات الخارجية قد تكون كبيرة، خصوصاً في أوروبا التي تعتمد على الولايات المتحدة لتغطية جزء مهم من احتياجاتها.
وقد يؤدي الحظر إلى زيادة أسعار الوقود الأوروبية، ورفع تكاليف النقل والصناعة، وإضافة ضغوط جديدة على التضخم.
ولهذا تحاول واشنطن استخدام التهديد بالحظر كوسيلة ضغط لدفع أوروبا إلى ضخ المزيد من الوقود في السوق العالمية بدلاً من الاحتفاظ به في المخزونات.
سباق لخفض الأسعار قبل الشتاء
المواجهة الحالية تكشف مدى هشاشة سوق الديزل العالمية بعد أشهر من اضطراب الإمدادات.
فواشنطن تريد خفض الأسعار بسرعة داخل السوق الأميركية، بينما تحاول الحكومات الأوروبية تحقيق التوازن بين مساعدة السوق العالمية والحفاظ على مخزون يكفي لمواجهة أي أزمة جديدة خلال الشتاء.
وإذا لم تتوصل الولايات المتحدة وأوروبا إلى اتفاق سريع، فقد تتحول أزمة الديزل من مشكلة في سوق الطاقة إلى خلاف تجاري جديد عبر الأطلسي.








