خلف ستار التراجع النسبي لوتيرة العمليات الإسرائيلية، مراعاةً لدخول مذكرة التفاهم الأميركية-الإيرانية حيز التنفيذ، سارعت تل أبيب إلى هندسة أمر واقع ميداني شديد الخطورة في جنوب لبنان، فرضت من خلاله سقفاً إستراتيجياً تبتز به الدولة اللبنانية قبيل انطلاق جولة مفاوضات واشنطن المباشرة في الثاني والعشرين من حزيران الجاري.

فقد تعمّد المتحدث باسم الجيش الإسرائيلي أفيخاي أدرعي نشر خريطة لما سماه “المنطقة الأمنية” التي تمتد بعمق 10 كيلومترات داخل الأراضي اللبنانية. والرسالة الإسرائيلية خلف هذا الإعلان صريحة ومباشرة: “من هنا يبدأ التفاوض، وليكن واضحاً أن الانسحاب ليس تحصيلاً حاصلاً”. ومن خلال تثبيت الوجود العسكري شمال نهر الليطاني والسيطرة على تلة علي الطاهر الاستراتيجية ومحيط كفرتبنيت، التي شهدت سقوط شهيدين بغارة مسيّرة، تسعى إسرائيل إلى القول إنها تتمسك بأوراق القضم الجغرافية وستساوم عليها على طاولة القرار.

فمعادلة تل أبيب هي التهدئة التكتيكية مقابل التشدد بالشروط والتمسك بمطلب نزع السلاح. وإذ نقلت وسائل الإعلام العبرية عن مصادر عسكرية صدور تعليمات بوقف التقدم نحو العمق والتحصن في المواقع الحالية قبالة خطوط الانتشار البرية والبحرية المستحدثة، فإن الحكومة الإسرائيلية تتعامل مع اتفاق واشنطن-طهران بوصفه مبرراً لـ”تخفيف الضربات المتبادلة” وليس لإنهاء الاحتلال.

وفي الواقع، تضع إسرائيل شروطاً مسبقة ومعقدة أمام الوفد اللبناني: “أظهروا لنا جدية كاملة في السلام، وانزعوا سلاح حزب الله، وعندها فقط سنبحث في واشنطن جدول وفترات الانسحاب”، وهو ما يتقاطع مع مطالبة الجيش بالاحتفاظ بـ”منطقة عازلة” مؤقتة كذريعة، إلى حين تفكيك البنية العسكرية للحزب جنوباً.

ولذلك، يتركز الرهان على رعاية دونالد ترامب لجولة المفاوضات يوم الاثنين. ويكتسب المسار السياسي زخماً إضافياً مع كشف صحيفة “إسرائيل اليوم” عن اتصالات متسارعة بدعم من الرئيس الأميركي، توجت بإعلانه المرتقب عن استضافة الرئيس جوزاف عون في البيت الأبيض خلال أسبوع أو أسبوعين، لعقد لقاء قمة محتمل ومباشر مع بنيامين نتنياهو. وبالتأكيد، طرح هذه القمة المفترضة على طاولة واشنطن ستضع لبنان أمام تحدّ مباشر ومخاض عسير.

واشنطن لا تبدأ من الصفر

في هذا التوقيت شديد الحساسيّة، زوّد رئيس الجمهوريّة جوزاف عون الوفد اللبنانيّ إلى المفاوضات بتوجيهاته، في اجتماعٍ تحضيريّ عُقد في قصر بعبدا، بحضور قائد الجيش العماد رودولف هيكل، ورئيس الوفد المفاوض السفير السابق سيمون كرم، وأعضاء الوفد العسكريّ، والفريق الاستشاريّ المواكب للمفاوضات. لم يكن الاجتماع تقنيًّا أو بروتوكوليًّا، بل بدا أشبه بترسيم سياسيّ مسبق لحدود التفويض اللبنانيّ، في مواجهة محاولة إسرائيليّة واضحة لنقل التفاوض من منطق تنفيذ الانسحاب إلى منطق المقايضة عليه.

جوهر الموقف اللبنانيّ أنّ أيّ بحث أمنيّ لا يمكن أن يبدأ من الاعتراف بالاحتلال كأمرٍ واقع، ولا من التعامل مع الخريطة الإسرائيليّة بوصفها ورقة تفاوض طبيعيّة. فالمفاوضات المقبلة في واشنطن، والمقرّر عقدها في 23 و24 و25 حزيران، تأتي بعد توقيع مذكّرة التفاهم الأميركيّة، الإيرانيّة، وما يمكن أن تفتحه من مسارات تهدئة إقليميّة. غير أنّ إسرائيل تسعى إلى تحويل هذه التهدئة إلى فرصة لإعادة تعريف الجنوب اللبنانيّ أمنيًّا، بما يتجاوز القرار 1701، ويتخطّى السيادة اللبنانيّة، ويُبقي يدها العسكريّة فوق الطاولة وتحتها.

ثوابت بعبدا في مواجهة شروط تل أبيب

توجيهات عون للوفد المفاوض استندت إلى سلّة ثوابت واضحة: الوقف النهائيّ لإطلاق النار، انسحاب القوّات الإسرائيليّة من الأراضي التي تحتلّها، انتشار الجيش اللبنانيّ حتّى الحدود الدوليّة، عودة الأسرى اللبنانيّين، وإطلاق مسيرة الإعمار. هذه الثوابت ليست عناوين إنشائيّة، بل محاولة لبناء جدار سياسيّ في وجه مقاربة إسرائيليّة تريد تفكيك الملفّ إلى أجزاء: أمن الحدود أوّلًا، سلاح حزب الله ثانيًا، الانسحاب لاحقًا، والإعمار في نهاية الطريق.

الرسالة اللبنانيّة، كما يفترض أن يحملها الوفد، أنّ الدولة لا تفاوض على سيادتها بالتقسيط، ولا تقبل تحويل الجنوب إلى مختبر لترتيبات أمنيّة تُفرض من خارج نصّ القرار الدوليّ. لكنّ التحدّي يكمن في أنّ لبنان يدخل واشنطن من موقع دولة منهكة اقتصاديًّا، ومكبّلة بانقسام داخليّ عميق حول سلاح حزب الله، فيما تدخل إسرائيل من موقع قوّة ناريّة وغطاء أميركيّ متذبذب، تحاول استثمارهما لانتزاع ضمانات تتجاوز وقف النار إلى إعادة هندسة ميزان الردع.

المنطقة الأمنيّة”: خريطة ضغط لا خريطة دفاع

إعلان الجيش الإسرائيليّ عن انتشاره في “منطقة أمنيّة” بعمق نحو عشرة كيلومترات داخل الأراضي اللبنانيّة لا يمكن قراءته كإجراء عسكريّ محدود. إنّه إعلان سياسيّ مكتمل العناصر. فإسرائيل لا تقول فقط إنّها موجودة ميدانيًّا، بل تقول إنّ هذا الوجود صار بندًا تفاوضيًّا، وإنّ الانسحاب منه يحتاج إلى ثمن. بذلك، تتحوّل الجغرافيا المحتلّة إلى ورقة ابتزاز، ويتحوّل وقف النار إلى هدنة مشروطة، وتتحوّل واشنطن إلى ساحة اختبار لقدرة لبنان على منع تكريس الاحتلال تحت اسم “الترتيبات الأمنيّة”.

وتزداد خطورة هذه المقاربة مع ما نُقل عن مصادر عسكريّة إسرائيليّة بشأن التحصّن في مبانٍ وخنادق، ووقف التقدّم نحو العمق، لا باعتباره تمهيدًا للانسحاب، بل باعتباره تثبيتًا لخطوط سيطرة قابلة للتفاوض. هنا تكمن الرسالة الأخطر: إسرائيل لا تخفّف ضرباتها لأنّها اقتنعت بالحلّ السياسيّ، بل لأنّها تريد حماية مواقعها، وتخفيف كلفة الاحتلال، وانتظار ما ستنتجه طاولة واشنطن.

السلاح عنوان المعركة السياسيّة

في خلفيّة المشهد، يبقى سلاح حزب الله العقدة المركزيّة التي تريد إسرائيل جعلها مفتاح كلّ شيء. فبحسب القراءة الإسرائيليّة، لا انسحاب بلا تفكيك البنية العسكريّة للحزب جنوبًا، ولا ترتيبات مستدامة بلا حرّيّة عمل إسرائيليّة داخل لبنان. هذه الصيغة، لو قُبلت، تعني عمليًّا نقل السيادة من الدولة اللبنانيّة إلى معادلة أمنيّة تضع إسرائيل في موقع المراقب والمحاسب والمنفّذ.

في المقابل، جاء موقف الأمين العام لحزب الله نعيم قاسم رافضًا أيّ مشروع لنزع السلاح، وواصفًا إيّاه بأنّه “وصفة إسرائيليّة” لن تمرّ. وهذا الموقف يفتح السؤال اللبنانيّ الداخليّ الأكثر حساسيّة: كيف يمكن للدولة أن تفاوض باسم السيادة، فيما ملفّ السلاح لا يزال خارج إجماعها الوطنيّ؟ وكيف يمكنها أن تمنع إسرائيل من استثمار الانقسام الداخليّ، من دون أن تسقط في فخّ تحويل المفاوضات الخارجيّة إلى ساحة ضغط على توازناتها الداخليّة؟

الدعم الدوليّ ليس مجّانيًّا

في موازاة التحضير للمفاوضات، استقبل الرئيس عون الوفد الوزاريّ القطريّ، الفرنسيّ، البريطانيّ، الذي ضمّ الوزيرة الفرنسيّة المنتدبة المسؤولة عن الفرانكوفونيّة إليونور كاروا، ووزيرة الدولة للتعاون الدوليّ في قطر مريم بنت علي بن ناصر المسند، ووزيرة التنمية البريطانيّة جنيفر شامبان. وقد وضع عون أمام الوفد معادلة واضحة: استقرار لبنان ليس حاجة لبنانيّة فقط، بل ضرورة للمنطقة وأوروبا أيضًا.

هذا الكلام يعكس محاولة لبنانيّة لرفع كلفة ترك البلد وحيدًا في مواجهة الضغوط. فالدعم الإنسانيّ والأمنيّ، ولا سيّما دعم الجيش والقوى الأمنيّة، لم يعد مجرّد ملفّ مساعدات، بل صار جزءًا من معركة تثبيت الدولة في الجنوب. غير أنّ هذا الدعم مشروط سياسيًّا، ولو لم يُعلَن دائمًا بهذه الصراحة. فالمجتمع الدوليّ يريد إصلاحات، ويريد مؤسّسات قادرة، ويريد شريكًا رسميًّا يمكن الرهان عليه، لا دولة تتنازعها مراكز القرار.

الإصلاح بوصفه ورقة سيادة

شدّد عون أمام الوفد على أنّ الإصلاحات الاقتصاديّة والماليّة والإداريّة والقضائيّة مطلب لبنانيّ أوّلًا، قبل أن تكون مطلبًا خارجيًّا. وهذه النقطة أساسيّة، لأنّ السيادة لا تُقاس فقط بالحدود والسلاح، بل أيضًا بقدرة الدولة على استعادة ثقة مواطنيها ومغتربيها والمستثمرين فيها. فلا يمكن للبنان أن يخوض معركة تفاوضيّة صعبة، فيما اقتصاده هشّ، ومؤسّساته مثقلة، وثقة الخارج به مشروطة بالإصلاح.

ومن هنا، بدا حديث عون عن حاجة لبنان إلى استثمارات لا إلى مساعدات محاولة لنقل الخطاب الرسميّ من موقع الاستعطاء إلى موقع بناء القدرة. فالاغتراب اللبنانيّ يمكن أن يكون رافعة نهوض، لكنّه يحتاج إلى ضمانات قانونيّة وماليّة وسياسيّة. أمّا من دون إصلاح، فستبقى الدولة تطلب الدعم لتصمد، لا لتنهض.

عين التينة وتوسيع الغطاء الداخليّ

زيارة الوفد الوزاريّ القطريّ، الفرنسيّ، البريطانيّ إلى عين التينة ولقاؤه رئيس مجلس النوّاب نبيه برّي أظهرا أنّ الملفّ لم يعد محصورًا ببعبدا أو بالوفد المفاوض. فالمرحلة المقبلة تحتاج إلى غطاء داخليّ أوسع، لأنّ أيّ تفاوض حول الجنوب والحدود والجيش والقرار 1701 سيصطدم حتمًا بتوازنات السلطة، ودور مجلس النوّاب، وحسابات القوى السياسيّة، وموقع حزب الله في المعادلة الوطنيّة.

وقد شكّل تأكيد برّي أهمّيّة استمرار الدعم الدوليّ ومواكبة الإصلاحات إشارة إلى إدراك الطبقة السياسيّة أنّ لبنان يدخل مرحلة لا تحتمل ترف المناورة الطويلة. فإمّا أن ينجح في إنتاج موقف داخليّ متماسك، وإمّا أن تتحوّل واشنطن إلى منصّة تُدار فيها التناقضات اللبنانيّة لمصلحة إسرائيل.

ترامب بين الرعاية والضغط

الرعاية الأميركيّة للمفاوضات تطرح بدورها أسئلة لا تقلّ حساسيّة. فدونالد ترامب، الذي يسعى إلى استثمار التفاهم مع إيران بوصفه إنجازًا إقليميًّا، يريد على الأرجح تحويل الساحة اللبنانيّة إلى اختبار سريع لقدرة واشنطن على إنتاج ترتيبات قابلة للتسويق. لكنّ المقاربة الأميركيّة قد لا تكون بالضرورة منسجمة مع الأولويّات اللبنانيّة، خصوصًا إذا قُدّمت القمّة المفترضة بين عون ونتنياهو بوصفها اختراقًا دبلوماسيًّا، قبل تثبيت الانسحاب ووقف الخروقات.

الأخطر أنّ بعض الطروحات الأميركيّة، ومنها الكلام عن دورٍ سوريّ في التعامل مع حزب الله، أثارت استغرابًا لبنانيًّا مشروعًا. فلبنان الذي عانى طويلًا من التدخّلات الخارجيّة لا يستطيع أن يقبل استبدال وصاية بوصاية، ولا معالجة اختلال داخليّ بقوّة أجنبيّة. ولهذا كان موقف وزير العدل عادل نصّار لافتًا حين شدّد على أنّ نزع السلاح مسؤوليّة الدولة اللبنانيّة، لا قوات أجنبيّة.

أمّا ما يجري اليوم فليس مجرّد تحضير لجولة تفاوضيّة جديدة، بل إعادة رسم لمعنى اليوم التالي للحرب. إسرائيل تريد منطقة عازلة، وحرّيّة عمل، وربط الانسحاب بنزع السلاح. لبنان يريد وقفًا نهائيًّا للنار، وانسحابًا كاملًا، وانتشارًا للجيش، وعودة الأسرى، وإعمارًا. وبين المشروعين تقف واشنطن، لا كوسيط بريء، بل كراعٍ يمتلك القدرة على الضغط، ويبحث في الوقت نفسه عن إنجاز سياسيّ سريع.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *