فوز لولا دا سيلفا في انتخابات البرازيل حسم واحدة من أكثر المعارك الرئاسية إثارة في أميركا اللاتينية، بعدما أعلنت السلطات الانتخابية رسمياً إعادة انتخاب الرئيس اليساري لولاية رابعة غير متتالية، متغلباً على السيناتور فلافيو بولسونارو، نجل الرئيس السابق جايير بولسونارو والحليف السياسي للرئيس الأميركي دونالد ترامب.
وحصل لولا على نحو 51.76% من الأصوات الصحيحة، مقابل 48.24% لبولسونارو، في جولة إعادة شهدت منافسة حادة واستقطاباً سياسياً واسعاً.
لولا يقلب نتيجة الجولة الأولى
يحمل الانتصار أهمية استثنائية لأن لولا دخل الجولة الثانية بعدما حل خلف فلافيو بولسونارو في الجولة الأولى.
وكان بولسونارو قد حصل على نحو 47% من الأصوات في الجولة الأولى، مقابل نحو 45% للولا، ما وضع الرئيس الحالي أمام تحدٍ كبير لإعادة حشد قاعدته الانتخابية.
لكن لولا نجح خلال الأسابيع الفاصلة بين الجولتين في استقطاب ناخبين إضافيين ورفع نسبة المشاركة لصالحه، ليصبح أول مرشح في تاريخ النظام الانتخابي البرازيلي الحديث ينجح في الفوز بجولة الإعادة بعدما حل ثانياً في الجولة الأولى.
ولاية رابعة في مسيرة سياسية استثنائية
هذه هي الولاية الرئاسية الرابعة للولا دا سيلفا، لكنها ليست متتالية.
فقد حكم البرازيل بين عامي 2003 و2010 لولايتين متتاليتين، ثم عاد إلى الرئاسة في 2023 بعد فوزه على جايير بولسونارو في انتخابات 2022.
ومع انتصاره الجديد، سيبدأ لولا ولاية أخرى في يناير 2027، ليواصل واحدة من أطول المسيرات السياسية وأكثرها تقلباً في تاريخ البرازيل الحديث.
فلافيو بولسونارو يخسر رغم تقدمه الأول
دخل فلافيو بولسونارو السباق باعتباره الوريث السياسي الأبرز لوالده جايير بولسونارو.
ويشغل فلافيو مقعداً في مجلس الشيوخ، واستطاع توحيد جزء كبير من التيار المحافظ واليميني خلفه.
كما استفاد من علاقته السياسية الوثيقة بإدارة ترامب، التي دعمت نهجاً أكثر تقارباً مع عائلة بولسونارو خلال السنوات الماضية.
ورغم تقدمه في الجولة الأولى، لم يتمكن من الحفاظ على الزخم حتى نهاية السباق.
ترامب كان حاضراً بقوة في الانتخابات
لم تكن الانتخابات البرازيلية معركة داخلية فقط.
العلاقة مع الولايات المتحدة تحولت إلى واحدة من القضايا الرئيسية في الحملة، بعدما اتهم لولا إدارة ترامب بمحاولة التأثير في السياسة البرازيلية.
وردد لولا مراراً أن البرازيل يجب ألا تكون تابعة لأي قوة خارجية، وجعل الدفاع عن “السيادة الوطنية” جزءاً أساسياً من خطابه الانتخابي.
في المقابل، قدم فلافيو بولسونارو نفسه باعتباره مرشحاً قادراً على إعادة بناء علاقة أكثر قرباً مع واشنطن وإدارة ترامب.
الاقتصاد كان نقطة ضعف لولا
رغم فوزه، يدخل لولا ولايته الجديدة وسط تحديات اقتصادية كبيرة.
فالاقتصاد البرازيلي يعاني من ارتفاع الدين العام وأسعار فائدة مرتفعة وضغوط على الأسر بسبب تكاليف المعيشة.
وخلال الحملة، وعد لولا بمواصلة برامج دعم الفئات الأقل دخلاً وتحسين الأجور وتوسيع برامج الحماية الاجتماعية.
لكن الأسواق ستراقب عن قرب قدرته على تمويل هذه السياسات من دون زيادة الضغوط على المالية العامة.
الكونغرس قد يكون العقبة الأكبر
فوز لولا بالرئاسة لا يعني حصوله على سلطة سياسية مطلقة.
فالانتخابات التشريعية أفرزت كونغرساً أكثر ميلاً إلى اليمين والمحافظين، مع مكاسب واضحة لحزب بولسونارو وحلفائه.
وهذا يعني أن لولا قد يواجه صعوبة في تمرير جزء من برنامجه الاقتصادي والاجتماعي من دون التفاوض مع أحزاب الوسط واليمين.
وقد تصبح العلاقة بين القصر الرئاسي والكونغرس واحدة من أبرز معارك ولايته الجديدة.
الصين والولايات المتحدة في قلب السياسة الخارجية
اقتصادياً، تمثل الصين أكبر شريك تجاري للبرازيل، فيما تبقى الولايات المتحدة شريكاً سياسياً واستثمارياً رئيسياً.
ومن المتوقع أن يواصل لولا سياسة خارجية تقوم على الحفاظ على علاقات قوية مع بكين من دون قطع العلاقات مع واشنطن.
لكن الخلافات مع إدارة ترامب حول الرسوم الجمركية والسيادة والسياسة تجاه أميركا اللاتينية قد تجعل العلاقة بين البلدين أكثر تعقيداً.
ماذا يعني فوز لولا لأميركا اللاتينية؟
يأتي فوز لولا في وقت شهدت فيه عدة دول في أميركا اللاتينية صعود حكومات يمينية ومحافظة.
ولهذا سيحافظ الانتصار على وجود أكبر اقتصاد في المنطقة تحت قيادة يسارية، ما يمنح البرازيل دوراً مختلفاً في ملفات التجارة والمناخ والعلاقات مع الصين والولايات المتحدة.
كما سيبقى لولا أحد أبرز الأصوات الداعية إلى سياسة خارجية أكثر استقلالاً عن واشنطن.
انتصار مهم لكن المرحلة الأصعب تبدأ الآن
فوز لولا دا سيلفا في انتخابات البرازيل يمنحه إنجازاً تاريخياً بولاية رابعة غير متتالية، لكنه لا يمنحه طريقاً سهلاً للحكم.
فالاقتصاد يواجه ضغوطاً كبيرة، والكونغرس أصبح أكثر محافظة، والانقسام السياسي في البلاد ما يزال عميقاً.
وبعد واحدة من أكثر الانتخابات تنافسية في تاريخ البرازيل الحديث، ينتقل التحدي الآن من الفوز بالأصوات إلى القدرة على إدارة دولة منقسمة سياسياً واقتصادياً.








