فقاعة الذكاء الاصطناعي في الصين بدأت تفقد بريقها بسرعة، بعدما هبطت أسهم التكنولوجيا المتقدمة والرقائق والروبوتات بقوة خلال الأشهر الأخيرة، ليتبخر نحو 480 مليار دولار من القيمة السوقية لمؤشر STAR50 في أقل من أربعة أشهر.
التحول كان حاداً.
فبعد فترة اندفاع ضخمة نحو كل شركة تحمل قصة مرتبطة بالذكاء الاصطناعي، بدأ المستثمرون يسألون السؤال الذي تأخر كثيراً: أين الأرباح؟
وهنا بدأت المشكلة.
من طفرة DeepSeek إلى موجة بيع حادة
خلال 2025 وبداية 2026، غذت النجاحات الصينية في الذكاء الاصطناعي موجة شراء ضخمة للأسهم المرتبطة بالرقائق والروبوتات والنماذج اللغوية.
ساهم ظهور DeepSeek في تغيير المزاج الاستثماري، وأصبح الرهان السائد أن الصين قادرة على بناء منظومة ذكاء اصطناعي مستقلة تنافس الولايات المتحدة رغم القيود على تصدير الرقائق المتقدمة.
ارتفعت التقييمات بسرعة، وتدفقت السيولة نحو شركات لم تكن أرباحها أو إيراداتها تبرر أسعارها في كثير من الحالات.
لكن خلال أقل من أربعة أشهر، هبط مؤشر STAR50 بنحو 40%.
النتيجة: نحو 480 مليار دولار اختفت من القيمة السوقية.
المشكلة ليست الذكاء الاصطناعي بل السعر
هذا هو التفصيل الأهم لفهم ما يحدث.
الصناعة نفسها لم تنهَر.
الصين ما زالت تبني مراكز بيانات وتطور نماذج لغوية وتصنع رقائق محلية وتدعم الروبوتات والحوسبة المتقدمة.
لكن أسعار الأسهم تحركت أسرع بكثير من الأرباح الحقيقية.
حتى بعد الهبوط الكبير، ما يزال STAR50 يتداول عند تقييمات تقارب 100 مرة الأرباح السابقة، مقارنة بنحو 30 مرة تقريباً لمؤشر Nasdaq 100.
وهذا يعني أن المستثمرين ما زالوا يدفعون سعراً مرتفعاً جداً مقابل كل وحدة أرباح تحققها الشركات.
عندما يصبح الذكاء الاصطناعي نصف السوق
المشكلة الأكبر أن الرهان على الذكاء الاصطناعي لم يكن هامشياً.
أسهم الشركات المرتبطة بالذكاء الاصطناعي أصبحت تمثل نحو 42% من القيمة السوقية للأسهم الصينية المدرجة، واستحوذت على نحو 57% من أحجام التداول.
وهذا التركيز جعل السوق أكثر هشاشة.
فعندما بدأت أسهم الذكاء الاصطناعي في الهبوط، لم تتضرر مجموعة صغيرة من الشركات فقط.
الضغط انتقل إلى السوق الصينية بأكملها.
2.4 تريليون دولار اختفت من الأسهم الصينية
الصورة الأوسع أكثر قسوة.
منذ القمة الأخيرة في مايو، خسرت الأسواق الصينية نحو 2.4 تريليون دولار من قيمتها السوقية.
وهبط مؤشر CSI300 بنحو 20% من قمته في يونيو، ليدخل فعلياً نطاق السوق الهابطة.
أما مؤشر Hang Seng Tech، الذي يضم عدداً كبيراً من شركات التكنولوجيا الصينية الكبرى، فقد تعرض لخسائر أعمق خلال العام.
بمعنى آخر، أزمة الذكاء الاصطناعي أصبحت جزءاً من مشكلة أوسع تواجه الأسهم الصينية.
لماذا بدأ المستثمرون بالهرب؟
هناك عدة أسباب اجتمعت في الوقت نفسه.
أولاً، التقييمات كانت مرتفعة جداً.
ثانياً، لم تظهر بعد أرباح كافية تبرر حجم الإنفاق على الذكاء الاصطناعي.
ثالثاً، المنافسة بين الشركات الصينية نفسها أصبحت شرسة، خصوصاً في تسعير نماذج الذكاء الاصطناعي.
ورابعاً، ما تزال المخاطر المتعلقة بالقيود الأميركية على تصدير التكنولوجيا والرقائق قائمة.
وعندما تجتمع هذه العناصر، يتحول التفاؤل بسرعة إلى خوف.
حرب الأسعار تقتل الهوامش
أحد أكبر التحديات أمام شركات الذكاء الاصطناعي الصينية هو أن النجاح في جذب المستخدمين لا يعني بالضرورة النجاح في تحقيق الأرباح.
الشركات تخفض أسعار استخدام نماذجها باستمرار لجذب العملاء.
وهذا قد يزيد عدد المستخدمين، لكنه يضغط على الإيرادات وهوامش الربح.
كما أن شركات عالمية مثل OpenAI وAnthropic خفضت أيضاً أسعار بعض خدماتها، ما قلل جزءاً من ميزة التكلفة التي كانت تتمتع بها الشركات الصينية.
النتيجة هي منافسة أكبر وأرباح أقل وضوحاً.
شركات بارزة خسرت عشرات المليارات
الهبوط لم يكن نظرياً.
شركات مرتبطة بالذكاء الاصطناعي والروبوتات والرقائق شهدت انخفاضات كبيرة في أسعار أسهمها.
كما خسرت شركتا MiniMax وZ.AI، المعروفة أيضاً باسم Zhipu، نحو 150 مليار دولار من قيمتهما السوقية مجتمعتين مقارنة بأعلى مستوياتهما.
وهذا مثال واضح على مدى سرعة تغير مزاج المستثمرين تجاه الشركات التي كانت قبل أشهر فقط من أكثر الأسماء جذباً للسيولة.
المستثمرون يخشون موجة اكتتابات جديدة
هناك عامل آخر يزيد الضغط.
عدد أكبر من شركات الذكاء الاصطناعي الصينية يستعد لدخول البورصة.
ومن بينها شركات بارزة قد تشمل DeepSeek وMoonshot AI.
هذا يعني أن المستثمرين سيحصلون على خيارات أكثر، لكن يعني أيضاً أن الأموال ستتوزع على عدد أكبر من الشركات.
وعندما تكون السيولة محدودة، فإن كل اكتتاب جديد قد يسحب أموالاً من الأسهم الموجودة بالفعل.
41 مليار دولار من الإصدارات الجديدة
شركات التكنولوجيا الصينية جمعت أكثر من 41 مليار دولار من خلال طروحات أسهم إضافية خلال 2026.
وأصبحت الشركات تستخدم أسواق المال بشكل متزايد لتمويل استثمارات الذكاء الاصطناعي ومراكز البيانات والرقائق.
لكن كثرة إصدار الأسهم تخلق مشكلة أخرى للمساهمين الحاليين: التخفيف.
فكلما تم إصدار أسهم جديدة، تتوزع أرباح الشركة المستقبلية على عدد أكبر من الأسهم.
وهذا قد يضغط على قيمة السهم حتى لو استمر نمو الشركة.
هل الصين تكرر فقاعة الإنترنت؟
المقارنة مع فقاعة الدوت كوم في نهاية التسعينيات أصبحت مغرية.
وقتها أيضاً كانت التكنولوجيا حقيقية.
والإنترنت غيّر العالم بالفعل.
لكن المستثمرين دفعوا أسعاراً مبالغاً فيها لشركات كثيرة لم يكن لديها نموذج أعمال مربح.
وعندما انفجرت الفقاعة، لم يختفِ الإنترنت.
اختفت فقط التقييمات غير المنطقية.
وهذا السيناريو قد يكون الأقرب لما يحدث في الصين اليوم.
الذكاء الاصطناعي سيبقى.
لكن ليس كل شركة تحمل كلمة AI ستتحول إلى عملاق مربح.
لماذا الصين أكثر عرضة للتصحيح؟
السوق الصينية لديها مشكلة إضافية.
الاقتصاد نفسه يعاني من ضعف الاستهلاك وأزمة عقارات وضغوط انكماشية.
وفي مثل هذا المناخ، يصبح من الصعب على المستثمرين تبرير تقييمات مرتفعة جداً إذا كانت الأرباح لا تنمو بالسرعة نفسها.
ولهذا، عندما بدأت قصة الذكاء الاصطناعي تفقد قوتها، لم يكن هناك زخم اقتصادي واسع يدعم الأسعار.
هل الانهيار انتهى؟
ليس بالضرورة.
رغم خسارة نحو 480 مليار دولار، ما تزال بعض التقييمات مرتفعة جداً مقارنة بالأسواق العالمية.
وهذا يعني أن السوق قد تواصل الهبوط إذا لم تظهر أرباح حقيقية أو إذا استمرت المنافسة في خفض الأسعار.
لكن في المقابل، يرى بعض المستثمرين أن الانخفاضات الكبيرة بدأت تخلق فرصاً في الشركات التي تمتلك بالفعل تكنولوجيا قوية وقدرة على تحقيق الإيرادات.
وهنا تبدأ مرحلة جديدة أكثر صعوبة: الفصل بين الشركات الحقيقية وبين الشركات التي ارتفعت فقط بسبب الحماس.
الصين لم تخسر سباق الذكاء الاصطناعي
من الخطأ تفسير ما يحدث على أنه فشل صيني في الذكاء الاصطناعي.
الصين ما زالت واحدة من أهم القوى العالمية في هذا القطاع، وتمتلك قاعدة ضخمة في تصنيع المعدات والرقائق والروبوتات والطاقة والبنية التحتية.
لكن سوق الأسهم بدأت تميز بين أمرين مختلفين:
أن تكون التكنولوجيا مهمة.
وأن يكون سعر السهم مبرراً.
وهذه ليست المعادلة نفسها.
الـ480 مليار دولار كانت ثمن التوقعات
المال الذي اختفى من السوق لم يكن خسارة في المصانع أو الخوادم أو النماذج نفسها.
كان في جزء كبير منه قيمة بنيت على توقعات مستقبلية شديدة التفاؤل.
عندما تغيرت التوقعات، اختفت القيمة بسرعة.
وهذا ما يجعل ما يحدث في الصين تحذيراً مهماً للأسواق العالمية.
فالذكاء الاصطناعي قد يكون بالفعل أكبر تحول تكنولوجي منذ الإنترنت.
لكن حتى أعظم التقنيات لا تمنع حدوث الفقاعات.
وعندما يصبح المستثمر مستعداً لدفع أي سعر لأنه يخشى أن يفوته المستقبل، عادة ما تبدأ أخطر مرحلة في السوق.








