في واشنطن، لا تبدو المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية مجرد جولة تقنية لبحث تثبيت وقف النار، بل مواجهة سياسية مفتوحة على إعادة رسم قواعد الاشتباك في لبنان والمنطقة. فبين تشدّد إسرائيلي غير مسبوق، وتمرد داخلي يقوده «حزب الله» على منطق الدولة وقراراتها، يجد الوفد اللبناني نفسه أمام امتحان بالغ الخطورة: كيف يمكن التفاوض باسم دولة لا تحتكر وحدها قرار الحرب والسلم؟
الوفد اللبناني، برئاسة السفير سيمون كرم، دخل الجولة الثالثة محاولاً تثبيت أولوية وقف إطلاق النار وإلزام إسرائيل به قبل أي بحث آخر. غير أن تل أبيب جاءت إلى الطاولة بأجندة مختلفة كلياً، تتجاوز التهدئة المؤقتة نحو فرض وقائع استراتيجية جديدة، عنوانها الواضح: تفكيك البنية العسكرية لـ«حزب الله» وتجريد الجنوب من أي قدرة قتالية مستقلة عن الدولة اللبنانية.
إسرائيل تفاوض من موقع المنتصر
التصريحات التي أطلقها السفير الإسرائيلي في واشنطن يحيئيل لايتر لم تترك مجالاً للالتباس. إسرائيل لا تتحدث عن هدنة فقط، بل عن إعادة هندسة الواقع الأمني اللبناني. حين يقول إن حكومته “لن توافق أبداً على وقف إطلاق النار والسماح لحزب الله بإعادة التسلح”، فهو يعلن عملياً أن أي تسوية مقبلة ستكون مشروطة بإعادة تعريف وظيفة الدولة اللبنانية نفسها.
الأخطر أن تل أبيب لم تعد تكتفي بالمطالبة بتطبيق القرار 1701 جنوب الليطاني، بل تعتبر أن الحديث اللبناني عن نزع السلاح في تلك المنطقة “بعيد عن الواقع”، في إشارة إلى أن إسرائيل باتت تنظر إلى كل الجغرافيا اللبنانية كساحة أمنية مفتوحة. وهذا ما يفسر استمرار الضربات الجوية والإنذارات الواسعة في البقاع والجنوب، بالتزامن مع المفاوضات، في رسالة ضغط بالنار: التفاوض يجري تحت القصف وليس على إيقاع الدبلوماسية.
«حزب الله» يفاوض الدولة لا إسرائيل
لكن المأزق الحقيقي للوفد اللبناني لا يكمن فقط في التعنت الإسرائيلي، بل في الانقسام الداخلي الحاد. فـ«حزب الله» لا يتصرف كطرف يواكب الدولة، بل كقوة تضع لها السقوف الحمراء وتحدد لها ما يجوز وما لا يجوز.
كلام النائب حسين الحاج حسن لم يكن مجرد اعتراض سياسي على المفاوضات، بل إعلان مواجهة صريحة مع خيار الدولة اللبنانية. توصيفه التفاوض بأنه “خطيئة”، واتهامه السلطة بالخضوع للإملاءات الأميركية، يكشفان حجم الهوة بين منطق الدولة ومنطق المحور الإقليمي الذي يقوده الحزب.
المفارقة القاسية أن الوفد اللبناني يفاوض إسرائيل في واشنطن، فيما يفاوض «حزب الله» الدولة اللبنانية في الداخل. وهذا التناقض البنيوي يضعف أي قدرة تفاوضية لبيروت، لأن إسرائيل تعرف جيداً أن السلطة اللبنانية لا تملك القرار الكامل على الأرض، ولا تستطيع تقديم ضمانات نهائية حول السلاح أو الحدود أو وقف العمليات.
التصعيد الميداني: مفاوضات تحت النار
الميدان بدوره يعكس هذا الانسداد السياسي. إسرائيل توسّع بنك أهدافها وتكثف غاراتها على قرى الجنوب والبقاع، فيما يرد «حزب الله» باستهدافات متواصلة لمواقع وآليات إسرائيلية، وصولاً إلى اختراق الطائرة المسيّرة لرأس الناقورة وفشل منظومات الدفاع الإسرائيلية في اعتراضها.
هذه الوقائع تؤكد أن الطرفين يتفاوضان وهما يستعدان لاحتمال انهيار التهدئة. فالمهلة المفترضة للهدنة تقترب من نهايتها، وكل طرف يحاول تحسين شروطه بالنار قبل تثبيت أي اتفاق. لذلك تبدو المفاوضات الحالية أقرب إلى إدارة حرب مؤجلة، لا إلى صناعة سلام فعلي.
بن فرحان… محاولة عربية لمنع الانهيار
في خضم هذا المشهد، تكتسب زيارة الموفد السعودي الأمير يزيد بن فرحان أهمية خاصة. فالحضور السعودي المتجدد يعكس قلقاً عربياً واضحاً من انزلاق لبنان نحو نموذج الدولة المنهارة بالكامل، أمنياً ومالياً وسياسياً.
السعودية تدرك أن أي تسوية لا يمكن أن تنجح ما دام لبنان يعيش ازدواجية السلطة والسلاح، وما دامت الدولة عاجزة عن فرض سيادتها الكاملة. ولذلك يبدو الحراك السعودي محاولة لمنع سقوط لبنان نهائياً داخل مشروع المحاور الإقليمية، وإبقاء نافذة عربية مفتوحة أمام العهد الجديد.
عون بين القضاء والمصارف… وترميم الدولة
في موازاة العاصفة الأمنية، يحاول الرئيس جوزاف عون تقديم صورة دولة تستعيد مؤسساتها. دعمه لاستقلال القضاء خلال أداء قسم المدعي العام التمييزي القاضي أحمد رامي الحاج، ورسائله إلى القطاع المصرفي خلال لقائه رئيس جمعية المصارف سليم صفير، يندرجان ضمن محاولة ترميم ما تبقى من هيبة الدولة اللبنانية.
لكن الحقيقة القاسية أن الإصلاح القضائي والمالي، على أهميتهما، يبقيان معلقين على سؤال أكبر: هل تستطيع الدولة اللبنانية أن تستعيد قرارها السيادي أولاً؟ لأن أي إصلاح، مهما كان جدياً، يبقى هشاً في ظل سلاح خارج مؤسسات الدولة، وحدود مفتوحة على احتمالات الحرب في كل لحظة.








