نجحت كوريا الجنوبية خلال ثلاثة عقود في إحداث تحول جذري في طريقة التعامل مع نفايات الطعام المنزلية، لتنتقل من دولة كانت ترسل معظم هذه المخلفات إلى المكبات، إلى واحدة من أبرز التجارب العالمية في إعادة تدويرها وتحويل جزء منها إلى مصدر للطاقة.
وباتت التجربة الكورية تحظى باهتمام خارج حدود البلاد، إذ بدأت مدينة نيويورك الأميركية باتخاذ خطوات تستلهم هذا النموذج في محاولة لمعالجة الكميات الضخمة من بقايا الطعام التي تنتجها ملايين المنازل سنوياً.
وتعود بداية التحول في كوريا الجنوبية إلى أزمة نفايات تفاقمت مع التوسع الحضري السريع خلال القرن العشرين، عندما كانت بقايا الطعام تُرمى مع النفايات العامة، ما أدى إلى مشكلات متزايدة في المكبات والصرف الصحي.
وفي عام 1995، بدأت الحكومة تطبيق رسوم تعتمد على حجم النفايات، قبل أن تجعل فصل مخلفات الطعام إلزامياً عام 1997.
وجاء التحول الأكبر عام 2005 عندما حظرت السلطات إرسال نفايات الطعام إلى المكبات نهائياً، ثم بدأت بعد ذلك تجربة حاويات ذكية لجمع المخلفات، وصولاً إلى حظر التخلص من السوائل الناتجة عن نفايات الطعام في البحر عام 2013.
وكانت النتيجة لافتة، إذ ارتفع معدل إعادة تدوير مخلفات الطعام في كوريا الجنوبية من 2.6% عام 1996 إلى نحو 97% في عام 2023.
تدفع مقابل ما ترميه
أحد أبرز عناصر النظام الكوري يتمثل في الحاويات الذكية المزودة بتقنية RFID.
ويستخدم السكان بطاقة إلكترونية لفتح الحاوية، التي تقوم بوزن كمية بقايا الطعام التي يرمونها، ثم تُضاف الرسوم المترتبة عليها إلى حساب الأسرة.
ولا يهدف النظام إلى جمع النفايات فقط، بل يجعل كل أسرة أكثر إدراكاً لكمية الطعام التي تتخلص منها.
وبحسب أرقام حكومية لعام 2025، يوجد أكثر من 151 ألف حاوية ذكية من هذا النوع في أنحاء كوريا الجنوبية، تخدم أكثر من 8.6 ملايين أسرة.
القمامة تتحول إلى كهرباء
بعد جمعها، لا تنتهي رحلة بقايا الطعام في مكب للنفايات.
فجزء منها يصل إلى منشآت متخصصة تقوم بتحويل المخلفات العضوية إلى طاقة.
وتكمن أهمية هذه العملية في أن دفن المخلفات العضوية يؤدي إلى تحللها في بيئة تفتقر إلى الأكسجين وإطلاق غاز الميثان، الذي يمتلك قدرة على حبس الحرارة تفوق ثاني أكسيد الكربون بأكثر من 80 مرة خلال فترة 20 عاماً.
أما داخل المفاعلات الحيوية، فيمكن التقاط الميثان واستخدامه كوقود بدلاً من السماح بانطلاقه مباشرة إلى الغلاف الجوي.
ويعد مركز دايجون للطاقة الحيوية مثالاً على ذلك، إذ يحول ما بين 70 و75% من المواد التي يستقبلها إلى طاقة، وينتج كهرباء تكفي لتلبية الاحتياجات اليومية لنحو 6 آلاف أسرة كورية جنوبية.
وتضم البلاد أكثر من 340 منشأة مماثلة.
لكن النجاح له تكلفة أيضاً، إذ تشير البيانات إلى أن الحكومة تنفق أكثر من 600 مليار وون كوري على إدارة النفايات البلدية، بما فيها مخلفات الطعام، رغم مساهمة الرسوم التي تدفعها الأسر في تغطية جزء من التكاليف.
نيويورك تحاول تطبيق التجربة
على الجانب الآخر من العالم، بدأت نيويورك السير في اتجاه مشابه.
فمنذ أكتوبر/تشرين الأول 2024، أصبح فصل مخلفات الطعام إلزامياً لسكان المدينة، الذين يتعين عليهم وضعها في حاويات مخصصة ليتم جمعها إلى جانب مواد إعادة التدوير.
ويشمل البرنامج نحو 3.4 ملايين أسرة، ما يجعله أكبر مشروع لاستعادة النفايات العضوية من هذا النوع في الولايات المتحدة.
لكن تغيير عادات ملايين السكان لم يكن سهلاً.
فقد أجرت إدارة الصرف الصحي في نيويورك أكثر من 60 ألف محادثة مباشرة مع السكان خلال حملة توعية شملت الأحياء الخمسة، كما أصدرت أكثر من 63 ألف إشعار مخالفة منذ إطلاق البرنامج بحق أسر لم تلتزم بالقواعد.
كما نشرت المدينة أكثر من 400 حاوية ذكية لجمع مخلفات الطعام والنباتات، تعمل بالطاقة الشمسية ويمكن الوصول إليها على مدار الساعة باستخدام تطبيق على الهاتف المحمول.
ومع ذلك، لا تزال نيويورك بعيدة جداً عن الأرقام التي حققتها كوريا الجنوبية.
ففي عام 2025، تعاملت إدارة الصرف الصحي مع نحو 140 ألف طن من النفايات العضوية المنزلية، أي ما يعادل نحو 9% فقط من قرابة 1.5 مليون طن تنتجها الأسر سنوياً.
وتذهب المخلفات التي يتم جمعها إما إلى منشآت لتحويلها إلى سماد، أو تتم معالجتها مع مياه الصرف الصحي لإنتاج الغاز الحيوي ومواد أخرى قابلة لإعادة الاستخدام.
ومع إقامة نحو 70% من سكان نيويورك في شقق، يرى متخصصون أن تجربة الحاويات الكورية قد توفر نموذجاً يمكن الاستفادة منه، خصوصاً إذا أصبحت كل أسرة مسؤولة بصورة مباشرة عن كمية مخلفاتها العضوية.
وبعد ثلاثة عقود من السياسات والتكنولوجيا وتغيير سلوك السكان، تقدم كوريا الجنوبية مثالاً على أن بقايا الطعام لا يجب أن تنتهي دائماً في مكبات النفايات، بل يمكن تحويلها من مشكلة بيئية مكلفة إلى مورد يدخل مجدداً في دورة الاقتصاد والطاقة.








