استأنفت القوات الإسرائيلية أعمال الحفر والتوسعة ضمن مشروع عسكري يعرف باسم “سوفا 53” في ريف القنيطرة جنوبي سوريا، بالتزامن مع تحركات عسكرية وتوغلات جديدة في المنطقة القريبة من الجولان المحتل.

ورُصدت آليات إسرائيلية وهي تنفذ أعمال حفر ورفع سواتر ترابية على أطراف قرية العشة في ريف القنيطرة الجنوبي، ضمن مشروع بدأ قبل سنوات لكنه توسع بصورة أكبر خلال الفترة الأخيرة.

ما هو مشروع سوفا 53؟

“سوفا 53” هو مشروع هندسي وعسكري إسرائيلي بدأ تنفيذه في منتصف عام 2022 داخل المنطقة العازلة المحاذية للجولان السوري المحتل.

ويقوم المشروع بصورة أساسية على إنشاء طريق عسكري محصن بعرض يصل إلى نحو 8 أمتار، تحيط به سواتر ترابية مرتفعة وخنادق ونقاط مراقبة عسكرية.

ويمتد المسار عبر مناطق متعددة من ريف القنيطرة، بدءاً من محيط بلدة حضر شمالاً، مروراً بجباتا الخشب والحميدية والقحطانية ورويحينة وبئر عجم وبريقة، وصولاً إلى مناطق جنوب المحافظة قرب العشة والمثلث الحدودي.

لماذا أنشأت إسرائيل هذا المشروع؟

تقدم إسرائيل المشروع باعتباره جزءاً من منظومة دفاعية تهدف إلى تعزيز مراقبة الحدود ومنع تسلل مجموعات مسلحة أو قوات معادية باتجاه الجولان المحتل.

لكن المشروع لا يقتصر عملياً على طريق للمراقبة فقط، إذ يتضمن بنية عسكرية متكاملة تشمل خنادق وسواتر ونقاطاً ثابتة تسمح للقوات الإسرائيلية بالتحرك بسرعة والسيطرة على مساحات واسعة بمحاذاة المنطقة العازلة.

ويصف مراقبون المشروع بأنه خط دفاع وهجوم في الوقت نفسه، لأنه يمنح القوات الإسرائيلية قدرة أكبر على التحرك داخل الأراضي السورية ومراقبة القرى والطرق المحيطة.

توسع كبير بعد سقوط نظام الأسد

تسارعت أعمال المشروع بصورة ملحوظة بعد سقوط نظام بشار الأسد في ديسمبر 2024.

ومنذ ذلك الحين، وسعت القوات الإسرائيلية انتشارها داخل المنطقة العازلة، وأنشأت مواقع ونقاطاً عسكرية جديدة، كما تقدمت في بعض المناطق مئات الأمتار داخل الأراضي السورية.

وتقول دمشق إن هذه التحركات تمثل خرقاً لاتفاق فض الاشتباك الموقع عام 1974، وتطالب إسرائيل بالانسحاب إلى المواقع التي كانت تتمركز فيها قبل 8 ديسمبر 2024.

ما علاقة المشروع باتفاق فض الاشتباك؟

وقعت سوريا وإسرائيل اتفاق فض الاشتباك عام 1974 عقب حرب أكتوبر 1973.

ونص الاتفاق على إنشاء منطقة عازلة بين الطرفين تفصل بين خطين عسكريين يعرفان باسم “ألفا” و”برافو”، وتراقبها قوات الأمم المتحدة المعروفة باسم “أندوف”.

لكن تنفيذ مشروع سوفا 53 داخل هذه المنطقة أثار اعتراضات سورية، خصوصاً مع إقامة طرق ومنشآت عسكرية وسواتر داخل أراضٍ يفترض أن تخضع لنظام خاص بموجب الاتفاق.

آلاف الدونمات الزراعية تضررت

كان للمشروع تأثير مباشر على سكان ريف القنيطرة، خصوصاً المزارعين ومربي المواشي.

وتسببت أعمال التجريف وشق الطرق ورفع السواتر في تضرر مساحات واسعة من الأراضي الزراعية والمراعي.

وتشير تقديرات محلية إلى أن المساحات المتضررة تجاوزت 12 ألف دونم في بعض مناطق القنيطرة، مع فقدان مزارعين القدرة على الوصول إلى أراضيهم أو استخدامها بصورة طبيعية.

كما أزيل جزء كبير من الغطاء النباتي والمراعي التي تشكل مصدر دخل أساسياً للسكان المحليين.

مشروع آخر يتقاطع مع سوفا 53

يتقاطع “سوفا 53” مع مشروع عسكري إسرائيلي أوسع يعرف باسم “الشرق الجديد”.

ويشمل هذا المشروع إنشاء شبكة من الخنادق العميقة والسواتر الترابية والتحصينات على امتداد المنطقة الحدودية من مجدل شمس شمالاً وصولاً إلى حوض اليرموك في الجنوب.

وتهدف هذه التحصينات إلى تأخير أو منع أي تحرك بري باتجاه المناطق التي تسيطر عليها إسرائيل، إضافة إلى توفير خطوط دفاع جديدة للقواعد العسكرية المنتشرة على طول الحدود.

نقاط عسكرية جديدة داخل سوريا

إلى جانب الطرق والخنادق، أقامت إسرائيل خلال الفترة الأخيرة عدداً من المواقع العسكرية الجديدة في القنيطرة.

وتضم هذه المواقع نقاط مراقبة وقواعد صغيرة تنتشر على طول المنطقة العازلة، فيما تسيّر القوات الإسرائيلية دوريات داخل قرى ومناطق مفتوحة في الجنوب السوري.

وترافقت هذه التحركات مع توغلات متكررة في قرى بالقنيطرة وريف درعا الغربي، إضافة إلى عمليات تفتيش واعتقال وإطلاق نار في بعض الحالات.

لماذا عاد المشروع إلى الواجهة الآن؟

عودة العمل في “سوفا 53” تأتي في وقت يشهد فيه الجنوب السوري توتراً متزايداً وتحركات عسكرية إسرائيلية شبه يومية.

واستئناف أعمال الحفر قرب قرية العشة يشير إلى أن إسرائيل لا تتعامل مع انتشارها الحالي بوصفه مؤقتاً فقط، بل تعمل على بناء بنية تحتية عسكرية يمكن أن تسمح بوجود طويل الأمد في المنطقة.

وهذا ما يجعل المشروع أكثر من مجرد طريق حدودي، إذ أصبح جزءاً من تغيير أوسع في الواقع العسكري والجغرافي على امتداد الجولان.

ماذا تريد إسرائيل من سوفا 53؟

من الناحية العسكرية، يمنح المشروع إسرائيل ثلاثة مكاسب رئيسية: تحسين المراقبة، تسريع حركة قواتها، وإقامة عوائق دفاعية أمام أي تحرك بري محتمل.

لكن من الناحية السياسية، يثير استمرار المشروع مخاوف سورية من أن تتحول الإجراءات الأمنية المؤقتة إلى واقع دائم على الأرض.

ولهذا يبقى “سوفا 53” واحداً من أكثر المشاريع الإسرائيلية إثارة للجدل في جنوب سوريا، خصوصاً مع استمرار توسع المنشآت العسكرية وتضرر الأراضي الزراعية وغياب أي اتفاق جديد ينظم الوجود الإسرائيلي في المنطقة.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *