أثارت تصريحات رئيس الوزراء الكندي مارك كارني جدلاً واسعاً بعدما أكد أن بلاده وضعت سيناريوهات طوارئ للتعامل مع احتمال غزو أميركي لكندا، في خطوة تبدو صادمة بالنظر إلى العلاقة التاريخية والتحالف العسكري العميق بين كندا والولايات المتحدة.
ورغم أن كارني شدد على أن احتمال حدوث غزو أميركي “منخفض للغاية” و”شبه مستبعد”، فإنه قال إن مسؤولية الحكومة تفرض عليها الاستعداد لجميع السيناريوهات، حتى تلك التي تبدو بعيدة الاحتمال.
لماذا تتحدث كندا عن غزو أميركي أصلاً؟
السبب الرئيسي يعود إلى التغير الكبير في العلاقة بين أوتاوا وواشنطن خلال رئاسة دونالد ترامب.
فقد كرر ترامب أكثر من مرة فكرة جعل كندا “الولاية الأميركية الـ51″، بالتزامن مع تصعيد اقتصادي وتجاري بين البلدين وفرض رسوم جمركية وضغوط متبادلة.
وفي 2025، قال ترامب إن استخدام القوة العسكرية ضد كندا “غير مرجح إلى حد كبير”، لكنه أشار في الوقت نفسه إلى اعتماده على الضغوط الاقتصادية لتحقيق أهدافه السياسية.
ورغم أن معظم المراقبين لا يتوقعون تحول هذه التصريحات إلى حرب فعلية، فإن كندا بدأت تتعامل معها باعتبارها جزءاً من بيئة أمنية أكثر اضطراباً.
كارني: هذا مجرد إدارة للمخاطر
قال مارك كارني إن وضع خطط للتعامل مع سيناريو غزو أميركي لا يعني أن الحكومة تعتقد أن الحرب ستقع.
وبحسب رئيس الوزراء، فإن المسألة تدخل ضمن “إدارة المخاطر”، تماماً كما تستعد الحكومات للكوارث الطبيعية أو الهجمات السيبرانية أو أي تهديدات أخرى منخفضة الاحتمال لكنها عالية التأثير.
وهذا يعني أن الجيش الكندي لا يستعد حالياً لحرب وشيكة مع الولايات المتحدة، بل يدرس سيناريوهات نظرية لمعرفة كيفية الاستجابة في حال تغير الوضع بشكل جذري.
الجيش الكندي يجري محاكاة لسيناريوهات مختلفة
تعمل القوات المسلحة الكندية على تحديث خططها للدفاع عن الأراضي الوطنية في ظل بيئة أمنية أكثر تعقيداً.
وتشمل هذه الخطط الدفاع عن الحدود والبنية التحتية الحيوية والمجال الجوي والممرات البحرية والقطب الشمالي.
كما يجري الجيش تدريبات ومحاكاة لسيناريوهات عالية الخطورة قد لا تحدث مطلقاً، بهدف اختبار سرعة اتخاذ القرار والتنسيق بين الجيش والحكومة وأجهزة الأمن.
وفي حال وقوع هجوم من قوة عسكرية أكبر بكثير، تشير بعض السيناريوهات النظرية إلى أن كندا لن تعتمد فقط على مواجهة تقليدية مباشرة، بل قد تلجأ إلى حرب طويلة وغير متكافئة تعتمد على المقاومة المحلية والانتشار الواسع في أراضيها الشاسعة.
فارق عسكري ضخم بين البلدين
أي مقارنة عسكرية مباشرة بين كندا والولايات المتحدة تظهر فجوة هائلة.
فالولايات المتحدة تمتلك أكبر جيش في حلف الناتو وواحداً من أقوى الجيوش في العالم، مع أكثر من مليون جندي عامل وترسانة جوية وبحرية وصاروخية ضخمة.
في المقابل، يبلغ حجم القوات الكندية النظامية والاحتياطية نحو 100 ألف عنصر تقريباً.
ولهذا يرى محللون أن كندا لن تستطيع خوض مواجهة تقليدية طويلة ضد الولايات المتحدة إذا وقع هذا السيناريو الافتراضي.
لكن مساحة البلاد الشاسعة، والمناخ القاسي، وبعد المدن والبنية التحتية عن بعضها، كلها عوامل قد تجعل السيطرة العسكرية الكاملة عليها عملية شديدة التعقيد.
مفارقة NORAD
الأكثر غرابة أن كندا والولايات المتحدة تعملان معاً منذ عقود ضمن قيادة الدفاع الجوي لأميركا الشمالية “NORAD”.
ويتبادل البلدان معلومات حساسة بشأن المجال الجوي والدفاع الصاروخي والإنذار المبكر، كما ينفذ جيشاهما تدريبات مشتركة بشكل منتظم.
ولهذا يثير مجرد التفكير في سيناريو مواجهة بين البلدين تساؤلات حول حجم المعلومات العسكرية التي يتقاسمانها، وما إذا كان التعاون الدفاعي الحالي يحتاج إلى مراجعة في ظل تدهور العلاقات السياسية.
التاريخ شهد خططاً مشابهة
ليست هذه المرة الأولى التي يفكر فيها الطرفان في احتمال الحرب بينهما.
ففي عشرينيات القرن الماضي، وضعت كندا خطة عسكرية عرفت باسم Defence Scheme No. 1 للتعامل مع احتمال غزو أميركي.
وفي المقابل، أعدت الولايات المتحدة خطة عسكرية عرفت باسم War Plan Red لدراسة كيفية خوض حرب محتملة ضد الإمبراطورية البريطانية وكندا.
لكن تلك الخطط اختفت عملياً مع تحول البلدين إلى حليفين وثيقين خلال القرن العشرين.
عودة هذا النوع من السيناريوهات إلى النقاش اليوم تعكس مدى تغير المناخ السياسي بين البلدين.
الاقتصاد جزء أساسي من المواجهة
القلق الكندي الحالي لا يتعلق بالحرب العسكرية فقط.
فالولايات المتحدة هي أكبر شريك تجاري لكندا بفارق كبير، وتعتمد قطاعات كندية أساسية على السوق الأميركية، خصوصاً الطاقة والسيارات والزراعة.
ولهذا بدأت أوتاوا خلال الفترة الأخيرة محاولة تقليل اعتمادها على الاقتصاد الأميركي.
وأعلنت الحكومة تسريع مشاريع بنية تحتية جديدة، من بينها خط أنابيب ضخم لنقل النفط من ألبرتا إلى ساحل المحيط الهادئ بهدف زيادة الصادرات إلى آسيا وخفض الاعتماد على المشترين الأميركيين.
القطب الشمالي يدخل المعادلة
يلعب القطب الشمالي دوراً متزايداً في الحسابات الدفاعية الكندية.
فمع ذوبان الجليد وفتح طرق بحرية جديدة، أصبحت المنطقة ساحة تنافس استراتيجي بين الولايات المتحدة وروسيا والصين.
وتعمل كندا على تعزيز قدراتها العسكرية في الشمال، بما يشمل الرادارات والمراقبة والدفاع الجوي والقواعد العسكرية.
وبالنسبة إلى أوتاوا، فإن حماية السيادة الكندية في القطب الشمالي أصبحت جزءاً رئيسياً من استراتيجيتها الدفاعية الجديدة.
هل تتوقع كندا حرباً بالفعل؟
لا توجد مؤشرات على أن الولايات المتحدة تستعد لغزو كندا، كما أن الحكومة الكندية نفسها تصف السيناريو بأنه بعيد الاحتمال للغاية.
لكن أهمية القصة تكمن في مجرد وجود هذا السيناريو على طاولة التخطيط العسكري.
فالعلاقة بين البلدين كانت لعقود من أكثر العلاقات الدولية استقراراً في العالم، وكان التفكير في حرب بينهما أقرب إلى الخيال السياسي.
واليوم، حتى لو بقي الاحتمال ضئيلاً جداً، فإن استعداد كندا له يكشف حجم التغير الذي طرأ على علاقتها بالولايات المتحدة خلال السنوات الأخيرة.








