أوقفت نيابة طهران، نشاط منصة آزاد الحوارية على الإنترنت حتى إشعار آخر، بعد استدعاء مديرها ومنتج محتواها المرئي مهدي أحمدي إلى النيابة على خلفية اتهامه بـ”نشر أكاذيب” ونشر محتوى من دون ترخيص. وجاء القرار في وقت تشهد فيه إيران نقاشاً متصاعداً بشأن القيود على الإعلام، وبعد يومين من إقرار البرلمان الإيراني مبدئياً مشروع قانونٍ أثارَ تحفّظات وانتقادات لدى إعلاميين ووسائل إعلام إيرانية.
وقالت وكالة “ميزان”، التابعة للسلطة القضائية الإيرانية، إن نيابة طهران أقامت دعوى بحق القائمين على “آزاد”، وبناءً على ذلك استُدعِي أحمدي إلى النيابة لتوجيه التهم. وأفاد المركز الإعلامي للسلطة القضائية بأن قراراً بالرقابة القضائية صدر بحقه، يقضي بمنعه من ممارسة أي نشاط إعلامي إلى حين حصوله على ترخيص، بالإضافة إلى وقف إنتاج ونشر محتوى المنصة مؤقتاً.
من جهته، أعلن الناشط الإعلامي مهدي أحمدي، في بيان نشره الحساب الرسمي لمنصة آزاد على منصة “إكس”، أنه راجع نيابة طهران ليومين متتاليين على خلفية الإخطار القضائي الموجه إليه، وقال إنه أُفرج عنه بكفالة مالية، لكنه أضاف أن المنصة مُنعت، بموجب القرار القضائي، من نشر أي حوار جديد حتى إشعار آخر.
وقال أحمدي إن منصة آزاد اعتمدت، على امتداد سنوات عملها، على دعم جمهورها، وعلى الإيرادات المتأتية من “يوتيوب”، لتغطية نفقاتها التشغيلية. وأضاف أن تعليق نشر الحوارات سيؤدي عملياً إلى توقف إيرادات المنصة من “يوتيوب”، محذراً من أن استمرار المنع قد يُعرّض المشروع لخطر التوقف الكامل بعد سنوات من العمل.
بعد تقرير “نيويورك تايمز”
جاء قرار وقف منصة آزاد الإيرانية بُعيد تقرير لصحيفة نيويورك تايمز عنها، ما أثار تساؤلات في أوساط إعلامية بشأن وجود صلة بين التقرير وتزايد الاهتمام الدولي بالمنصة وإصدار القرار القضائي. لكن لم يصدر عن السلطة القضائية الإيرانية أو إدارة المنصة ما يُثبت وجود ارتباط مباشر بين التقرير والإجراء القضائي.
وركّزت “نيويورك تايمز” في تقريرها على قدرة منصة آزاد على استضافة طيف متباين من الضيوف والعمل من داخل إيران في بيئة إعلامية مقيدة. وسأل التقرير كيف تمكنت المنصة من نشر نقاشات تضم آراء شديدة النقد للسلطة إلى جانب منح مساحة لشخصيات مقربة من مؤسسات الحكم.
ونفى أحمدي في تصريح للصحيفة الأميركية صحة الادعاءات بشأن وجود “داعم قوي” (في السلطة) يقف خلف المنصة، مضيفاً أن فلسفة المشروع تقوم على الوقوف بين طرفين متعارضين وإتاحة المجال أمام الجمهور للاستماع إلى حجج كل طرف وتكوين رأيه الخاص.
وتعرّض موقع آزاد الإلكتروني للحجب سابقاً، واستُدعِي أحمدي للاستجواب في أكثر من مناسبة. كما نُقل عن أحمدي قوله إن معدات المنصة صودرت لمدة 25 يوماً خلال حرب يونيو/حزيران 2025، بعد نشر برنامجين تناولا الحرب. وكانت المنصة قد أعلنت في وقت سابق حجب موقعها الإلكتروني، وقالت إن الجهات المعنية أبدت ملاحظات على عناوين عدد من حواراتها وبرامج تناولت شعار “المرأة والحياة”.
وسبق أن رتبت منصة آزاد للمرة الأولى حواراً عبر الإنترنت العام الماضي بين الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان والإعلامي الأميركي تاكر كارلسون، حيث لعبت دور الوسيط في هذا الحوار بين كارلسون وبزشكيان.
منصة آزاد
“آزاد” منصة فارسية متخصصة في الحوارات والمناظرات المصورة، تسجل برامجها في طهران وتنشر القسم الأكبر منها عبر “يوتيوب”، وذاع صيتها خلال السنوات الأخيرة، وخصصت جزءاً بارزاً من إنتاجها لنقاشات سياسية وفكرية واجتماعية ودينية، استضافت فيها شخصيات ذات اتجاهات متباينة، من منتقدين للحكومة إلى شخصيات قريبة من مؤسسات الحكم، إضافة إلى باحثين وناشطين ومثقفين منتقدين وأحياناً معارضين.
وبدأت المنصة نشاطها عام 2013 تحت اسم “مدرسة آزاد فكري” (مدرسة الحرية الفكرية)، في جامعة شريف الصناعية في طهران. ويقول مؤسسها مهدي أحمدي، وفق موقع “رويداد 24” الإيراني، إن الفكرة الأولية للمشروع قامت على توفير فضاء يستطيع فيه أصحاب التوجهات الفكرية والسياسية المختلفة الجلوس إلى طاولة واحدة ومناقشة خلافاتهم بصورة مباشرة.
لكن المشروع خرج تدريجياً من الإطار الجامعي. يذكر أحمدي أن جامعة شريف توقفت عن السماح للمجموعة باستخدام منشآتها عقب تصاعد الجدل حول عدد من المناظرات التي نظمتها المنصة. ومنذ 2022 نقلت المجموعة نشاطها الرئيسي إلى “يوتيوب”، حيث بدأت تنشر حواراتها تحت اسم “آزاد”، فيما لا تزال صفحتها الرسمية تعرّف نفسها بأنها “مدرسة آزاد فكري” سابقاً.
وأسهم انتقال “آزاد” إلى المنصات الرقمية في اتساع جمهورها لتصبح تدريجياً واحدة من أبرز القنوات الحوارية الفارسية في الفضاء الإلكتروني. وتميّزت المنصة عن كثير من الوسائل الإعلامية داخل إيران بمحاولة جمع أطراف متعارضة في الحلقات نفسها، وطرح قضايا على نحو جريء. ونظمت المنصة حوارات ومناظرات تناولت ملفات مثل علاقة إيران بروسيا، ومستقبل التيار الإصلاحي، والهجرة الأفغانية، والسياسة الخارجية الإيرانية، ومستقبل إيران، والعلاقة بين الدين والأخلاق في زمن الحرب، كما استضافت شخصيات فكرية من خارج إيران.
وكان من بين البرامج التي حظيت بمتابعة واسعة حوار مطول بعنوان “يناير الدامي ومستقبل إيران”، في إشارة إلى احتجاجات يناير/كانون الثاني الماضي، وقدمت المنصة الحوار بمشاركة ثلاثة ضيوف بوصفه مواجهة ونقداً متبادلاً بين ثلاثة أفكار، هي الجمهورية والملكية والإصلاح الاجتماعي. وتناول المشاركون في ذلك الحوار أسئلة مرتبطة بمستقبل النظام السياسي في إيران. وتحدث أحد الضيوف عن تغيير النظام عبر استفتاء على الدستور، بينما دافع آخر عن عودة النظام الملكي. وأثار عرض هذا النوع من النقاشات من داخل طهران اهتماماً بالنظر إلى حساسية الموضوعات والقضايا المطروحة فيها.
وفي ديسمبر/كانون الأول 2025، بثت “آزاد” مناظرة مثيرة للجدل كان لها صدى واسع في البلاد بعنوان “مظلومية واستشهاد السيدة فاطمة الزهراء (بنت النبي محمد)”، جمعت رجل الدين الإصلاحي عبد الرحيم سليماني أردستاني ورجل الدين المحافظ حامد كاشاني. وشكّك أردستاني خلال الحوار في الرواية المتداولة لدى الطائفة الشيعية بشأن كيفية وفاة فاطمة بنت النبي محمد، فيما دافع كاشاني عن الرواية. وأثارت المناظرة انتقادات واسعة بين المحافظين.








