انسحاب القوات الأميركية من العراق دخل مرحلته النهائية رسمياً، بعدما أعلنت وزارة الدفاع الأميركية الأربعاء انتهاء المهمة العسكرية للتحالف الدولي التي بدأت قبل 12 عاماً لمواجهة تنظيم داعش، في تحول يفتح مرحلة أمنية وسياسية جديدة أمام بغداد.

وأكد البنتاغون أن الولايات المتحدة وشركاءها في التحالف اختتموا رسمياً عملية “العزم الصلب” في العراق، مشيراً إلى أن خروج قوات ومعدات التحالف من قاعدة أربيل الجوية يمثل نهاية المهمة العسكرية التي استهدفت تنظيم داعش.

ولا يعني انتهاء المهمة توقف التعاون الأمني بالكامل بين واشنطن وبغداد، إذ أكدت وزارة الدفاع الأميركية استمرار تقديم تدريب محدد ودعم استخباراتي للقوات العراقية خلال المرحلة المقبلة.

انسحاب القوات الأميركية من العراق يختتم مهمة طويلة

بدأت عملية “العزم الصلب” عام 2014 بعدما سيطر تنظيم داعش على مساحات واسعة من العراق وسوريا، ما دفع الولايات المتحدة إلى تشكيل تحالف دولي لدعم القوات المحلية في مواجهة التنظيم.

وتمكنت القوات العراقية بدعم من التحالف من استعادة الأراضي التي كان يسيطر عليها داعش، وأعلنت بغداد في عام 2017 هزيمة التنظيم عسكرياً داخل البلاد.

لكن وجود التحالف استمر بعد ذلك لمساعدة القوات العراقية في ملاحقة خلايا التنظيم وتقديم التدريب والمعلومات الاستخباراتية والدعم العسكري.

واليوم، وبعد 12 عاماً على إطلاق العملية، تقول واشنطن إن داعش لم يعد يمثل تهديداً عسكرياً منظماً في العراق، ما سمح بإنهاء المهمة بالشكل الذي كانت تعمل به خلال السنوات الماضية.

قاعدة أربيل تغلق الفصل الأخير

شكّل خروج قوات التحالف ومعداته من قاعدة أربيل الجوية المحطة الأخيرة في عملية الانسحاب.

وكانت القوات الأميركية قد غادرت تدريجياً عدداً من المواقع والقواعد العسكرية خلال الفترة الماضية، في إطار اتفاق بين بغداد وواشنطن لتنفيذ انتقال منظم للمسؤوليات الأمنية.

وجاءت عملية الانسحاب نتيجة تفاهمات أعلنتها الولايات المتحدة والعراق في عام 2024 بشأن مستقبل مهمة التحالف.

واكتسبت قاعدة أربيل أهمية خاصة خلال المرحلة الأخيرة، إذ استمر استخدامها ضمن العمليات المرتبطة بمواجهة داعش ودعم القوات الشريكة.

ومع خروج قوات التحالف منها، أعلنت واشنطن انتهاء المهمة رسمياً.

هل يعني ذلك انتهاء الوجود الأميركي بالكامل

رغم إعلان انتهاء المهمة العسكرية للتحالف، فإن العلاقة الأمنية بين الولايات المتحدة والعراق لن تنتهي.

وأكد البنتاغون أن واشنطن ستواصل تقديم تدريب موجه ودعم استخباراتي لشركائها العراقيين.

ويعني ذلك انتقال العلاقة من مهمة عسكرية واسعة يقودها التحالف إلى شكل مختلف من التعاون الأمني، مع تحمل القوات العراقية المسؤولية الأساسية عن حماية البلاد وملاحقة فلول داعش.

وتشير هذه المرحلة إلى تحول في طبيعة العلاقة العسكرية بين البلدين أكثر من كونها نهاية لجميع أشكال التعاون الدفاعي.

العراق أمام اختبار أمني جديد

مع انتهاء المهمة، أصبحت القوات الأمنية العراقية مسؤولة بصورة أكبر عن منع عودة تنظيم داعش.

ورغم خسارة التنظيم معظم الأراضي التي كان يسيطر عليها، لا تزال خلاياه تنشط في بعض المناطق وتنفذ هجمات متفرقة.

وتتركز المخاوف خصوصاً على المناطق الصحراوية والنائية والمناطق التي يصعب تأمينها بصورة مستمرة.

وتشير تحليلات أمنية إلى أن أحد التحديات التي ستواجه العراق بعد الانسحاب يتعلق بتعويض القدرات الأميركية في مجالات المراقبة الجوية والاستخبارات وتحديد الأهداف.

مرحلة جديدة عنوانها السيادة

قوبل الانسحاب داخل العراق بترحيب من الحكومة التي تنظر إلى انتهاء مهمة التحالف باعتباره انتقالاً إلى مرحلة تتحمل فيها المؤسسات العراقية المسؤولية الكاملة عن أمن البلاد.

لكن الملف يحمل أيضاً بعداً سياسياً داخلياً مهماً.

فوجود القوات الأميركية كان واحداً من المبررات التي استخدمتها فصائل مسلحة مرتبطة بإيران للدفاع عن استمرار احتفاظها بالسلاح خارج المؤسسات الرسمية.

وتأمل الحكومة العراقية أن يؤدي انتهاء المهمة إلى تعزيز مطالبتها بحصر السلاح بيد الدولة، إلا أن تحقيق ذلك يبقى تحدياً سياسياً وأمنياً معقداً.

وتشير رويترز إلى أن الانسحاب يثير في الوقت نفسه تساؤلات بشأن مستقبل نفوذ الفصائل المدعومة من إيران وقدرة بغداد على ضبط المشهد الأمني.

ماذا بعد الانسحاب الأميركي من العراق

بالنسبة إلى واشنطن، ينهي الإعلان مهمة عسكرية بدأت عندما كان داعش يسيطر على مدن ومساحات واسعة من الأراضي العراقية.

أما بالنسبة إلى بغداد، فهو بداية اختبار مختلف.

فالقوات العراقية مطالبة الآن بإثبات قدرتها على منع عودة التنظيم والحفاظ على الاستقرار، بينما تحاول الحكومة في الوقت نفسه تعزيز سيطرة الدولة على السلاح وموازنة علاقاتها مع الولايات المتحدة وإيران.

وهكذا فإن انسحاب القوات الأميركية من العراق لا يغلق فقط فصلاً عسكرياً استمر 12 عاماً، بل يفتح فصلاً جديداً ستكون فيه مسؤولية الأمن والاستقرار بصورة أكبر في يد المؤسسات العراقية.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *