قد تكون ظاهرة “إل نينيو” المناخية، التي تتشكّل راهناً في المحيط الهادئ، من بين الأقوى على الإطلاق، وقد تؤدّي إلى فيضانات وجفاف وموجات حرّ شديد وخسائر في المحاصيل على صعيد العالم. وتتوقّع المنظمة العالمية للأرصاد الجوية أن تصل شدّة هذه الظاهرة إلى ذروتها بحلول أوائل عام 2027، فيما لفت مختبر تأثيرات المناخ التابع لجامعة “شيكاغو” الأميركية أمس الأربعاء إلى أنّها قد تؤدّي إلى 451 ألف وفاة حول العالم بحلول فبراير/ شباط المقبل.

وكانت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية قد توقّعت، في أوائل يوليو/ تموز الماضي، أنّ تشتدّ سريعاً ظاهرة “إل نينيو” التي بدأت بالفعل، وحذّرت من أنّه من شأن ذلك أن يزيد احتمالات حدوث ظواهر جوية متطرّفة. وأكدت المنظمة أنّ الظاهرة المناخية هذه سوف تكتسب قوّة بسرعة، داعيةً الدول إلى الاستعداد لمواجهة تداعياتها. وقبل ذلك، في يونيو/ حزيران الذي سبق، أطلقت وكالتان تابعان للأمم المتحدة، منظمة الأغذية والزراعة (فاو) وبرنامج الأغذية العالمي، نداءً لحماية 8.8 ملايين شخص من تداعيات أقوى ظواهر “إل نينيو” في التاريخ الحديث، وقد لفتتا إلى أنّ لا مؤشّرات تدلّ على تهيّؤ مناسب لتداعيات هذه الظاهرة.

وتحاول وكالة رويترز، من خلال “نظرة فاحصة”، أن تجيب عن عدد من الأسئلة البديهية لإتاحة تعرّف أفضل إلى ظاهرة “إل نينيو” المناخية التي تؤرّق مناطق عديدة من كوكبنا، ولا سيّما مع التحذيرات من شدّتها وامتدادها.

ما هي ظاهرة “إل نينيو”؟

تُعَدّ هذه الظاهرة المرحلة الدافئة من دورة “إل نينيو” – التذبذب الجنوبي الطبيعية، وهي نمط مناخي يؤثّر في الطقس حول العالم. وهي تتسبّب عادةً في ارتفاع درجات الحرارة العالمية وتعطيل أنماط هطول الأمطار في مناطق واسعة، الأمر الذي يعني حدوث جفاف في عدد من المناطق وهطول أمطار غزيرة في مناطق أخرى.

كذلك تحدث هذه الظاهرة مرّة كلّ عامَين إلى سبعة أعوام، عندما يؤدّي ضعف الرياح التجارية، وهي رياح تهبّ بانتظام من مناطق الضغط المرتفع المدارية في اتّجاه منطقة الضغط المنخفض الاستوائية، إلى ارتفاع درجة حرارة المياه في شرق المحيط الهادئ.

ما الذي يجعل “إل نينيو” ظاهرة فائقة القوة؟

يُعَدّ ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادئ علامة دالة على تشكّل ظاهرة “إل نينيو”. وأظهرت بيانات الإدارة الوطنية الأميركية للمحيطات والغلاف الجوي أنّ درجة حرارة سطح المحيط الهادئ في منطقة خط الاستواء بلغت في شهر سبتمبر/ أيلول الجاري 3.05 درجات مئوية فوق المعدّلات الطبيعية، وهو أعلى خلل في درجات الحرارة يُسجَّل لأيّ ظاهرة “إل نينيو” منذ بدء تسجيل البيانات، وأعلى بكثير من مستوى 0.5 درجة مئوية المعتمدة لتعريف هذه الظاهرة.

وأعلنت الإدارة الوطنية رسمياً في يونيو/ حزيران الماضي بداية ظروف “إل نينيو”. وأفادت بأنّ ارتفاع درجة حرارة المحيط الهادئ في منطقة خط الاستواء بمقدار 0.5 درجة مئوية فوق المعدّل الطبيعي يُصنَّف ظاهرة “إل نينيو” ضعيفة، أمّا ارتفاعها درجة مئوية واحدة فيمثّل ظاهرة معتدلة، ومع 1.5 درجة مئوية تكون ظاهرة قوية، لتمثّل مع درجتَين مئويّتَين ظاهرة قوية جداً.

ولا تستخدم المنظمة العالمية للأرصاد الجوية مصطلح “خارقة” رسمياً، غير أنّها توقّعت في هذا الشهر أن تشتدّ ظاهرة “إل نينيو” الناشئة لتصير “قوية جداً”، ذات تأثيرات كبيرة على هطول الأمطار ودرجات الحرارة.

وكانت ظاهرة “إل نينيو” القوية الأخيرة، التي حدثت في عامَي 2023 و2024، قد ساهمت، إلى جانب تغيّر المناخ، في جعل عام 2024 أكثر الأعوام حرارة على الإطلاق في تاريخ كوكب الأرض. وعانت بوليفيا وفنزويلا من حرائق كارثية في ذلك العام، واجتاحت فيضانات عارمة نيبال والسودان وإسبانيا، وأودت موجات حرّ في المكسيك والسعودية بحياة الآلاف.

تُعَدّ ظاهرة “إل نينيو” نمطاً مناخياً طبيعياً لا ينتُج عن تغيّر المناخ. لكنّ الاحترار العالمي قد يزيد حدّتها. فانبعاثات غازات الاحتباس الحراري، أو غازات الدفيئة، أدّت إلى ارتفاع متوسط درجة حرارة الكوكب بنحو 1.4 درجة مئوية مقارنة بمستويات ما قبل الثورة الصناعية.

ويؤدّي هذا الارتفاع في متوسط حرارة الأرض إلى تفاقم تأثيرات ظاهرة “إل نينيو”، الأمر الذي يؤدّي إلى موجات حرّ أشدّ وطأة وجفاف أكثر حدّة وأمطار غزيرة وما ينجم عن ذلك من كوارث، من قبيل حرائق الغابات والفيضانات وتلف المحاصيل.

وأشار علماء إلى أنّ الدمار المتوقّع أن تخلّفه ظاهرة “إل نينيو” في هذا العام قد ينذر بظواهر جوية متطرّفة سوف تصير هي الوضع الطبيعي في العقود المقبلة، حتى في غياب “إل نينيو”، نتيجة للاحتباس الحراري الناجم عن الأنشطة البشرية.

ما المتوقّع من “إل نينيو” في هذه المرّة؟

مع اقتران تغيّر المناخ بظاهرة “إل نينيو”، حذّرت المنظمة العالمية للأرصاد الجوية من أنّ عام 2027 قد يكون الأكثر سخونة منذ بدء تسجيل البيانات. وأفاد مختبر تأثيرات المناخ التابع لجامعة “شيكاغو” الأميركية بأنّ الدول التي سوف تعاني، بحسب المتوقّع، من أكبر عدد من الوفيات المرتبطة بالحرارة الناجمة عن ظاهرة “إل نينيو” هي نيجيريا بواقع 31 ألفاً و400 وفاة، تليها إندونيسيا مع نحو 19 ألفاً و300 وفاة، ثمّ السودان مع نحو 17 ألفاً و600 وفاة.

وذكر الباحثون في المختبر المذكور أنّ جهود الاستجابة للطوارئ بوسائل، من بينها أنظمة الإنذار المبكّر وحماية العاملين في الأماكن المكشوفة، يمكن أن تنقذ عشرات الآلاف من الأرواح.

وفي العادة، تشهد مناطق، من قبيل جنوبي أميركا الجنوبية وأجزاء من آسيا الوسطى، هطول أمطار أكثر في خلال ظاهرة “إل نينيو”، الأمر الذي قد يؤدّي إلى فيضانات كارثية. يُذكر أنّ فيضانات عام 2024 في ولاية ريو غرانديه دو سول البرازيلية قد أسفرت عن مقتل أكثر من 180 شخصاً وتشريد 600 ألف آخرين، على سبيل المثال.

في المقابل، تميل مناطق في الجنوب الأفريقي وأميركا الوسطى وأستراليا إلى الجفاف مع عواقب وخيمة على إنتاج المحاصيل والطاقة الكهرومائية. ويتوقّع مصدّرو الأرزّ أن ينخفض المحصول في الهند، أكبر منتج للأرزّ في العالم، هذا العام بأكبر معدّل منذ موسم 2009-2010، عندما أدّى الجفاف الناجم عن “إل نينيو” إلى تراجع الإنتاج.

ويتوقّع برنامج الأغذية العالمي التابع للأمم المتحدة أن يتعرّض نحو 50 مليون شخص لخطر الجوع الحاد بحلول نهاية عام 2027، نتيجة “إل نينيو”، مع توقّع أن تكون مناطق في الجنوب الأفريقي وأميركا الجنوبية من بين الأكثر تضرّراً. إلى جانب ذلك، تزيد الظاهرة حدّة موجات الحرّ، حتى في مناطق بعيدة عن المحيط الهادئ من قبيل أوروبا، وتؤدّي في العادة إلى زيادة نشاط الأعاصير في وسط المحيط الهادئ وشرقه.

سهم:
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *