الطاعون الرئوي عاد إلى دائرة القلق العالمي بعد وفاة موظفة في معهد متخصص بأبحاث الطاعون في سيبيريا، لكن الخبراء والسلطات الصحية يؤكدون أن تحول المرض اليوم إلى جائحة عالمية شبيهة بكورونا يبقى سيناريو غير مرجح للغاية.

فالمرض خطير ويمكن أن ينتقل من شخص إلى آخر، لكنه في المقابل معروف طبياً منذ عقود، ويمكن تشخيصه وعلاجه بالمضادات الحيوية، كما أن طريقة انتقاله تجعل احتواء سلاسل العدوى أسهل بكثير من الفيروسات التنفسية شديدة الانتشار.

الطاعون الرئوي خطير لكنه ليس فيروساً جديداً

يسبب الطاعون نوع من البكتيريا يعرف باسم Yersinia pestis، وهي البكتيريا نفسها التي ارتبطت تاريخياً بـ”الموت الأسود”.

وهناك ثلاثة أشكال رئيسية للمرض: الطاعون الدبلي والطاعون الإنتاني والطاعون الرئوي.

ويعد الطاعون الرئوي أخطرها لأنه يصيب الرئتين ويمكن أن ينتقل مباشرة بين البشر عبر الرذاذ التنفسي خلال المخالطة القريبة.

لكن بعكس فيروس جديد غير معروف، يعرف الأطباء بالفعل كيفية تشخيص المرض وعلاجه واحتواء انتقاله.

لماذا لا ينتشر الطاعون الرئوي بسهولة مثل كورونا؟

أحد أهم أسباب انخفاض احتمال تحوله إلى جائحة هو أن انتقاله يحتاج عادة إلى مخالطة قريبة ومباشرة مع شخص مصاب بالطاعون الرئوي.

ولا ينتقل المرض بسهولة عبر مسافات طويلة أو من خلال التعرض العابر كما يمكن أن يحدث مع بعض الفيروسات التنفسية.

كما أن الشخص المصاب يصبح شديد المرض بسرعة، وهو ما يجعل التعرف على الحالات وعزلها أسهل نسبياً قبل أن تنتشر العدوى على نطاق واسع.

المضادات الحيوية تغير قواعد اللعبة

الفرق الأكبر بين أوبئة الطاعون التاريخية والوضع الحالي هو وجود مضادات حيوية فعالة.

فالطاعون الرئوي قد يكون قاتلاً بسرعة إذا لم يعالج، لكن العلاج المبكر بالمضادات الحيوية يمكن أن ينقذ حياة المريض ويوقف انتقال البكتيريا.

وتؤكد منظمة الصحة العالمية أن العلاج المبكر ضروري، لأن الحالات غير المعالجة يمكن أن تتدهور خلال 18 إلى 24 ساعة بعد ظهور الأعراض الشديدة.

يمكن حماية المخالطين قبل ظهور المرض

لا يقتصر التدخل الطبي على علاج المريض نفسه.

فالأشخاص الذين كانوا على اتصال وثيق بحالة مؤكدة يمكن إعطاؤهم مضادات حيوية وقائية لمدة تصل إلى سبعة أيام.

وهذا يعني أن السلطات الصحية تستطيع كسر سلسلة العدوى قبل أن تظهر الأعراض لدى المخالطين.

وتعد هذه القدرة إحدى أهم الأدوات التي تجعل احتواء تفشي الطاعون ممكناً اليوم.

العزل فعال جداً ضد الطاعون الرئوي

يمكن عزل المصابين بالطاعون الرئوي واستخدام الكمامات ومعدات الوقاية الشخصية لحماية العاملين الصحيين والمخالطين.

ويُنصح بمراقبة الأشخاص الذين تعرضوا للمريض ورصد أي أعراض خلال فترة الحضانة.

ومع تطبيق هذه الإجراءات بسرعة، يمكن وقف انتقال المرض حتى في المناطق التي تسجل حالات متفرقة.

المرض لا ينتقل قبل ظهور الأعراض بالشكل نفسه

أحد العوامل التي ساعدت كورونا على الانتشار عالمياً كان إمكانية انتقال الفيروس من أشخاص لا تظهر عليهم أعراض أو قبل أن يدركوا أنهم مصابون.

أما الطاعون الرئوي فيرتبط انتقاله عادة بالمريض الذي يعاني أعراضاً تنفسية واضحة، خصوصاً السعال.

وهذا يجعل تحديد الأشخاص المعديين أسهل نسبياً ويحد من الانتشار الصامت على نطاق واسع.

ماذا عن الحالة الروسية الأخيرة؟

القلق الحالي بدأ بعد وفاة داريا شيبيلوفا، وهي موظفة تبلغ 28 عاماً في معهد أبحاث مكافحة الطاعون في إيركوتسك بسيبيريا.

وتوفيت بعد إصابتها بالتهاب رئوي مجهول السبب، ما أدى إلى وضع نحو 200 شخص تحت المراقبة وإجراء آلاف الفحوص.

لكن السلطات الروسية أعلنت عدم اكتشاف أي إصابة بالطاعون بين المخالطين، وبدأت رفع إجراءات الحجر بعد ظهور نتائج سلبية.

كما قالت منظمة الصحة العالمية إن مستوى الخطر على عامة السكان لا يزال منخفضاً.

هل تأكد أن الموظفة توفيت بالطاعون؟

لا.

حتى الآن، لم تعلن السلطات الروسية أو منظمة الصحة العالمية تأكيد إصابة الموظفة بالطاعون الرئوي.

ولا يزال سبب الالتهاب الرئوي الذي أدى إلى وفاتها قيد التحقيق.

وهذا التفصيل مهم، لأن الحديث عن “تفشٍ للطاعون في روسيا” لا يستند حتى الآن إلى حالات مؤكدة.

آلاف الفحوص لم تكشف إصابات جديدة

قالت السلطات الروسية إنها أجرت قرابة 5 آلاف فحص للأشخاص المرتبطين بالحالة.

ولم تظهر الفحوص أي إصابات خطيرة مرتبطة بالطاعون.

وتم اكتشاف حالات لأمراض تنفسية أخرى، بينها كورونا والفيروس الأنفي، لكن لم يتم العثور على Yersinia pestis بين المخالطين.

وهذه النتائج تقلل احتمال وجود سلسلة انتقال غير مكتشفة حتى الآن.

لماذا تراقب الولايات المتحدة الوضع رغم انخفاض الخطر؟

تقول مراكز السيطرة على الأمراض والوقاية منها في الولايات المتحدة إن الخطر على الأميركيين “منخفض للغاية”.

لكن السلطات الأميركية تتابع القضية بسبب طبيعة المعهد الذي كانت تعمل فيه الموظفة، ولأن سبب وفاتها لم يتم تحديده بشكل نهائي.

وتراقب الولايات المتحدة أيضاً المسافرين القادمين من المنطقة كإجراء احترازي، رغم عدم وجود رحلات مباشرة بين روسيا والولايات المتحدة حالياً.

الطاعون لا يزال موجوداً في العالم

الطاعون لم يختف تماماً.

فهو لا يزال مرضاً متوطناً في بعض المناطق، خصوصاً في أجزاء من أفريقيا.

وخلال السنوات الأخيرة، سجلت معظم الحالات العالمية في جمهورية الكونغو الديمقراطية ومدغشقر، إلى جانب حالات متفرقة في دول أخرى.

لكن هذه الإصابات عادة تبقى محدودة جغرافياً ويتم التعامل معها عبر المراقبة والعلاج السريع.

لماذا لا نشهد أوبئة مثل “الموت الأسود” اليوم؟

في العصور الوسطى، لم يكن العلماء يعرفون سبب الطاعون أو طريقة انتقاله، ولم تكن هناك مضادات حيوية أو أنظمة مراقبة صحية حديثة.

كما كانت المدن تعاني من سوء النظافة وانتشار القوارض والبراغيث، وهي عوامل ساعدت على انتشار المرض.

أما اليوم، فهناك مختبرات قادرة على تشخيص البكتيريا بسرعة، وأنظمة لرصد الحالات، وعلاجات فعالة، وإجراءات عزل ومراقبة للمخالطين.

وهذه الفروق تجعل تكرار سيناريو تاريخي مشابه للموت الأسود غير مرجح للغاية.

هل يمكن أن يحدث تفشٍ محلي؟

نعم.

فالطاعون الرئوي قادر على التسبب في تفشيات محلية خطيرة إذا تأخر اكتشاف الحالات أو لم يحصل المرضى على العلاج بسرعة.

وقد تصبح المشكلة أكثر خطورة في مناطق تعاني ضعف النظام الصحي أو صعوبة الوصول إلى المستشفيات.

لكن التفشي المحلي يختلف كثيراً عن جائحة عالمية تمتد إلى عشرات الدول والقارات.

ما السيناريو الذي قد يثير القلق الحقيقي؟

سيزداد القلق إذا ظهرت عدة حالات مؤكدة لا ترتبط بشكل واضح بحالة واحدة، أو إذا ظهرت إصابات في دول مختلفة دون روابط معروفة.

كما ستكون هناك مخاوف أكبر إذا ظهرت سلالة مقاومة لعدة أنواع من المضادات الحيوية.

وحتى الآن، لا توجد أدلة على أي من هذه السيناريوهات في الحالة الروسية الحالية.

هل يحتاج الناس إلى اتخاذ إجراءات خاصة الآن؟

لا توجد حالياً توصيات باتخاذ إجراءات استثنائية لعامة الناس خارج المناطق التي تسجل حالات مؤكدة.

وتتركز الإجراءات على السلطات الصحية والعاملين في المستشفيات والمخالطين المباشرين للحالات المشتبه بها.

أما بالنسبة لمعظم الناس، فلا توجد مؤشرات في الوقت الحالي على وجود خطر عالمي يتطلب تغيير الحياة اليومية أو السفر.

لماذا يبقى احتمال الجائحة منخفضاً؟

الطاعون الرئوي مرض شديد الخطورة، لكن خطورته لا تعني بالضرورة قدرته على إحداث جائحة عالمية.

فالانتقال يتطلب غالباً مخالطة قريبة، والعلاج بالمضادات الحيوية فعال، ويمكن إعطاء الوقاية للمخالطين، كما تسمح الأعراض الشديدة باكتشاف الحالات بسرعة.

ولهذا ترى السلطات الصحية أن السيناريو الأكثر احتمالاً عند ظهور حالة هو احتواؤها محلياً، وليس تحولها إلى وباء عالمي واسع.

أما في قضية سيبيريا الحالية، فلا يزال الأهم هو معرفة السبب الحقيقي لوفاة موظفة المختبر، مع استمرار الشفافية والفحوص والمراقبة الصحية حتى يتم إغلاق الملف بشكل نهائي.

سهم:
عرض التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *