أزمة القنصلية البريطانية في القدس دخلت مرحلة جديدة بعد انتهاء المهلة التي منحتها إسرائيل لإغلاق البعثة، لكن لندن نجحت في التوصل إلى تسوية تسمح باستمرار وجود دبلوماسي بريطاني محدود داخل المبنى تحت اسم جديد هو “بعثة المملكة المتحدة في القدس”.

وبموجب التفاهم، سيغادر نحو 20 دبلوماسياً بريطانياً القدس، بينهم القنصل العام، فيما سيبقى سبعة موظفين لمواصلة العمل مع الفلسطينيين وتقديم الخدمات الأساسية.

أزمة القنصلية البريطانية في القدس تتجنب التصعيد الكامل

كانت إسرائيل قد أصدرت في 8 سبتمبر أمراً بإغلاق القنصلية البريطانية في القدس الشرقية خلال 30 يوماً، رداً على إجراءات اتخذتها لندن ضد المستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

ومع حلول 8 أكتوبر، لم تغلق بريطانيا المبنى بالكامل، بل أعادت تسمية البعثة وحافظت على وجود محدود فيها بعد مفاوضات مكثفة بين الجانبين.

وقالت لندن إن البعثة ستبقى مستقلة وفاعلة وستواصل عملها مع الفلسطينيين.

لماذا قررت إسرائيل إغلاق القنصلية؟

جاء القرار الإسرائيلي بعد فرض بريطانيا إجراءات ضد السلع المرتبطة بالمستوطنات الإسرائيلية في الضفة الغربية.

وترى الحكومة الإسرائيلية أن الخطوات البريطانية تمثل تدخلاً سياسياً وعدائياً، بينما تقول لندن إن هذه الإجراءات تأتي دعماً لحل الدولتين ورفضاً لتوسع المستوطنات.

وتصاعد الخلاف سريعاً من ملف اقتصادي وسياسي إلى مواجهة دبلوماسية مباشرة حول وضع القنصلية في القدس الشرقية.

بريطانيا لا تعترف بحق إسرائيل في الإغلاق

أكد وزير الخارجية البريطاني إد ميليباند أن لندن لا تقبل بأن لإسرائيل الحق القانوني في إغلاق القنصلية.

وتتمسك بريطانيا بموقفها القائل إن القدس الشرقية أرض محتلة، وإن وضع البعثة البريطانية فيها لا يخضع للسيادة الإسرائيلية بالطريقة نفسها التي تخضع بها سفارة أجنبية داخل إسرائيل.

ولهذا تعتبر لندن استمرار وجودها الدبلوماسي في القدس قضية سياسية وقانونية تتجاوز مجرد إدارة مبنى أو بعثة.

20 دبلوماسياً يغادرون و7 يبقون

بموجب التسوية الجديدة، سيغادر نحو 20 دبلوماسياً بريطانياً القدس، بينهم القنصل العام.

وسيظل سبعة موظفين داخل البعثة الجديدة لمواصلة جزء من المهام التي كانت تقوم بها القنصلية.

وقالت بريطانيا إن تخفيض عدد الموظفين مؤقت ويرتبط أيضاً بالحاجة إلى ضمان سلامتهم وحماية المبنى.

وتخطط لندن لإعادة تعزيز حضورها تدريجياً إذا سمحت الظروف السياسية والأمنية بذلك.

ماذا حدث لفكرة طرد الدبلوماسيين الإسرائيليين؟

قبل التوصل إلى التسوية، كانت بريطانيا تدرس طرد دبلوماسيين إسرائيليين من لندن إذا أجبرت إسرائيل القنصلية على الإغلاق الكامل.

وكان هذا الخيار سيشكل تصعيداً نادراً بين دولتين تربطهما علاقات دبلوماسية وأمنية وثيقة.

لكن لندن قررت عدم اتخاذ إجراءات انتقامية في الوقت الحالي، طالما تستمر المحادثات مع إسرائيل بشكل جدي.

وهكذا جنبت التسوية الطرفين الدخول في أزمة أوسع تشمل طرداً متبادلاً للدبلوماسيين.

وجود بريطاني يعود إلى نحو قرنين

تعود جذور الوجود القنصلي البريطاني في القدس إلى عام 1839.

ولهذا فإن محاولة إغلاق القنصلية تحمل قيمة رمزية كبيرة بالنسبة إلى لندن.

وعلى مدى عقود، عملت البعثة بشكل منفصل عن السفارة البريطانية في تل أبيب، في انعكاس للموقف البريطاني من وضع القدس وعدم الاعتراف بالسيادة الإسرائيلية على القدس الشرقية.

القدس الشرقية في قلب الخلاف

تعتبر إسرائيل القدس بأكملها عاصمتها، بينما لا يعترف معظم المجتمع الدولي بضم القدس الشرقية الذي أعقب حرب 1967.

وترى بريطانيا أن القدس الشرقية يجب أن تكون جزءاً من تسوية تفاوضية بين الإسرائيليين والفلسطينيين.

ولهذا فإن أي محاولة إسرائيلية لإعادة تعريف وضع البعثات الأجنبية الموجودة هناك تحمل أبعاداً سياسية تتعلق بمستقبل المدينة نفسها.

المستوطنات تشعل التوتر بين لندن وتل أبيب

تأتي الأزمة في وقت تتخذ فيه بريطانيا مواقف أكثر تشدداً تجاه التوسع الاستيطاني في الضفة الغربية.

وتقول الحكومة البريطانية إن المستوطنات والتوسع فيها يقللان فرص التوصل إلى حل الدولتين.

أما إسرائيل فتعتبر بعض الإجراءات البريطانية عقابية ومنحازة ضدها.

وهذا الخلاف أصبح أحد أهم مصادر التوتر بين البلدين خلال الأشهر الأخيرة.

إسرائيل لم تتخذ الإجراء نفسه ضد دول أخرى

لفت الانتباه أن دولاً أخرى، بينها فرنسا وكندا، اتخذت إجراءات ضد المستوطنات لكنها لم تواجه رداً مماثلاً بإغلاق بعثاتها.

وأثار ذلك تساؤلات حول سبب اختيار بريطانيا تحديداً لهذا النوع من الرد.

وتقول إسرائيل إن قرارها مرتبط بطبيعة الخطوات البريطانية وموقف لندن السياسي الأوسع تجاه الحكومة الإسرائيلية.

هل انتهت الأزمة؟

لا.

التسوية الحالية تمنع الإغلاق الكامل لكنها لا تعالج الخلاف السياسي الأساسي.

فإسرائيل لا تزال تعارض الإجراءات البريطانية ضد المستوطنات، بينما تؤكد لندن أنها لن تتراجع عنها.

كما أن استمرار البعثة بعدد محدود من الموظفين يعني أن الملف يمكن أن يعود إلى الواجهة إذا فشلت المحادثات المقبلة.

ماذا يعني ذلك للفلسطينيين؟

ستواصل البعثة البريطانية الجديدة تقديم خدمات والعمل مع الفلسطينيين، لكن بعدد أقل من الموظفين.

وقد يؤثر ذلك على حجم الأنشطة الدبلوماسية والسياسية والقنصلية التي تستطيع بريطانيا تنفيذها في القدس والضفة الغربية وغزة.

لكن لندن تحاول من خلال إبقاء المبنى مفتوحاً إرسال رسالة بأنها لا تتخلى عن وجودها المباشر أو موقفها من القدس الشرقية.

تسوية مؤقتة لخلاف أعمق

نجحت بريطانيا وإسرائيل في تجنب خطوة كان يمكن أن تؤدي إلى طرد متبادل للدبلوماسيين وتصعيد كبير في العلاقات.

لكن أزمة القنصلية البريطانية في القدس كشفت عمق الخلاف بين البلدين بشأن المستوطنات والقدس والدولة الفلسطينية.

ولهذا تبدو التسوية الحالية أقرب إلى تجميد مؤقت للأزمة منها إلى حل نهائي، مع بقاء الملفات السياسية الأساسية من دون اتفاق.

سهم:
عرض التعليقات (0)
اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *