دخلت احتجاجات طلاب المدارس الثانوية في فرنسا مرحلة جديدة، بعدما انضم إليها الأهالي والنقابات العمالية والمدرسون في تحركات أوسع شملت مدناً عدة، وسط استمرار الغضب من نقص المدرسين وتدهور أوضاع المدارس وطريقة تعامل الشرطة مع المتظاهرين.
وجاء التصعيد بعد أسابيع من احتجاجات بدأت في ضواحي باريس ثم انتشرت إلى أنحاء البلاد، قبل أن تتحول إلى حركة وطنية دفعت مئات المدارس إلى الإغلاق أو تعليق الدراسة جزئياً.
الطلاب: نريد أن يُسمع صوتنا
رفع طلاب شعارات تطالب الحكومة بالاستماع إلى مطالبهم بدلاً من مواجهتهم بالغاز المسيل للدموع وقوات مكافحة الشغب.
وتتمحور أبرز المطالب حول توفير مزيد من المدرسين والموظفين، واستبدال المعلمين المتغيبين، وتقليل اكتظاظ الصفوف، وتحسين المباني والتجهيزات المدرسية.
ويقول طلاب إن بعض الصفوف تضم أكثر من 30 طالباً، بينما تعاني مدارس من نقص المقاعد والكتب وتأخر الصيانة وغياب المدرسين لفترات طويلة.
الأهالي يدخلون على خط الاحتجاج
في تطور لافت، بدأ عدد متزايد من الأهالي بالمشاركة في التحركات، ليس فقط تضامناً مع مطالب الطلاب، بل أيضاً لحمايتهم خلال الاحتكاكات مع الشرطة.
وفي بعض المناطق، شكل الآباء والأمهات سلاسل بشرية بالقرب من المدارس لمحاولة منع الصدام بين الطلاب وقوات الأمن.
ويقول الأهالي إنهم يشعرون بالقلق من استخدام الغاز المسيل للدموع وأدوات تفريق الاحتجاجات ضد متظاهرين غالبيتهم من القاصرين.
النقابات توسع الضغط على الحكومة
انضمت نقابات عمالية وتعليمية إلى الطلاب، ودعت إلى تظاهرات أوسع وإضرابات تضامنية.
ويعني دخول النقابات أن الأزمة لم تعد مقتصرة على المدارس، بل باتت ترتبط أيضاً باعتراضات أوسع على موازنة الحكومة وسياسات الإنفاق العام.
وتطالب النقابات بزيادة الاستثمار في التعليم والخدمات العامة بدلاً من خفض النفقات، محذرة من أن تراجع الموارد ينعكس مباشرة على جودة التعليم وظروف العمل.
أكثر من 5 آلاف موقوف
منذ بداية الاحتجاجات، أوقفت الشرطة أكثر من 5 آلاف شخص، غالبيتهم من القاصرين.
كما أصيب مئات الطلاب والموظفين في المدارس خلال المواجهات، بينما تعرضت عشرات المدارس لأضرار بسبب الحرائق وأعمال التخريب.
وأثارت مشاهد الشرطة وهي تستخدم الغاز المسيل للدموع ووسائل مكافحة الشغب ضد الطلاب انتقادات من منظمات حقوقية ومدرسين وأولياء أمور.
طالب يفقد يده خلال المواجهات
من أخطر الحوادث التي شهدتها الاحتجاجات إصابة طالب يبلغ 15 عاماً بجروح أدت إلى فقدان يده خلال مواجهات مع الشرطة في مدينة لانس شمال فرنسا.
وبحسب تقارير، حاول الفتى التعامل مع قنبلة صوتية أطلقت خلال المواجهات قبل أن تنفجر.
وزادت الحادثة من حدة الغضب تجاه أساليب الشرطة، وأعادت النقاش حول مدى ملاءمة استخدام معدات مكافحة الشغب في احتجاجات يشارك فيها قاصرون.
الحكومة تعد بالاستماع
أمام اتساع الحركة، طلب رئيس الوزراء سيباستيان لوكورنو من الوزراء إعداد مقترحات لمعالجة مطالب الطلاب قبل نهاية أكتوبر.
وتشمل الملفات التي تبحثها الحكومة توفير بدلاء للمدرسين الغائبين، وتعديل تنظيم اليوم الدراسي، وإصلاح المباني المدرسية وتحسين ظروف الدراسة.
لكن الحكومة تواجه مشكلة مالية كبيرة، إذ تحاول في الوقت نفسه خفض العجز والسيطرة على ارتفاع الدين العام.
لماذا بدأت الاحتجاجات؟
بدأت الشرارة في مدارس بضواحي باريس في منتصف سبتمبر، قبل أن تنتشر سريعاً عبر مواقع التواصل الاجتماعي.
وسرعان ما تبنى طلاب في مناطق أخرى المطالب نفسها، خصوصاً في المدارس الموجودة في المناطق الأقل دخلاً.
ويقول المحتجون إن المشكلة أعمق من مجرد نقص عدد من المدرسين، وإنها تتعلق بشعور متزايد بعدم المساواة بين المدارس وبأن مستقبل الطلاب لا يحظى بالأولوية.
أزمة سياسية قبل انتخابات 2027
تأتي الاحتجاجات قبل أشهر من الانتخابات الرئاسية الفرنسية المقررة في 2027، ما يزيد حساسيتها السياسية.
واتهم مسؤولون حكوميون حزب “فرنسا الأبية” اليساري بمحاولة استغلال الحركة وتصعيدها، بينما ينفي الحزب هذه الاتهامات ويقول إن الحكومة تحاول تحويل الانتباه عن المطالب الحقيقية للطلاب.
كما يحاول اليمين المتطرف استثمار مشاهد العنف والفوضى لمهاجمة الحكومة وسياساتها الأمنية.
حركة طلابية تتحول إلى أزمة وطنية
ما بدأ باحتجاجات محلية على نقص الموارد تحول خلال أسابيع قليلة إلى واحدة من أكبر حركات طلاب المدارس في فرنسا منذ سنوات.
وانضمام الأهالي والنقابات منح الحركة زخماً جديداً وجعل من الصعب على الحكومة التعامل معها باعتبارها مجرد اضطرابات مدرسية مؤقتة.
والسؤال الآن هو ما إذا كانت وعود الحكومة بالحوار وتحسين ظروف المدارس ستنجح في تهدئة الشارع، أم أن انضمام مزيد من النقابات والطلاب سيحول الأزمة إلى حركة احتجاجية أوسع ضد سياسات الحكومة الفرنسية.








